حارسة النظام الدولي وركيزة السلام: قراءة استراتيجية في لقاء الرئيس السيسي وجوتيريش بالقاهرة
بقلم: أشرف عبد الحميد
شهدت العاصمة المصرية اليوم لقاءً استراتيجياً رفيع المستوى جمع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بالسيد أنطونيو جوتيريش، السكرتير العام للأمم المتحدة، بحضور الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، ووفد أممي رفيع المستوى. يأتي هذا اللقاء ليصوغ وثيقة سياسية وإنسانية حاسمة في لحظة فارقة تعصف فيها الأزمات بالشرق الأوسط والعالم، وليؤكد مجدداً على ثقل الموقف المصري كركيزة لا غنى عنها لصون السلم والأمن الدوليين.
إن الإشادة التاريخية المباشرة التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة، حين تتساءل الدبلوماسية الدولية: “ماذا كان سيكون مصير الشعب الفلسطيني لولا الدور المصري الجوهري والفعال؟”، هي شهادة استحقاق دولية تُجسد الحقيقة الساطعة بأن مصر كانت ولا تزال الصخرة التي تتكسر عليها محاولات تصفية القضية الفلسطينية، والملاذ الآمن لترسيخ السلام والاستقرار.
أولاً: القضية الفلسطينية وحماية الحقوق المشروعة
جاء التأكيد المشترك بين القيادة السياسية المصرية والأمانة العامة للأمم المتحدة ليضع رؤية بصرية وحاسمة للملف الفلسطيني، تبتعد عن الحلول الموقتة وترتكز على الاستدامة والعدالة:
تثبيت وقف إطلاق النار ونفاذ المساعدات: تثمين الجهود المصرية الميدانية المستمرة لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإشادة أممية استثنائية بالدور المصري في قيادة وتيسير دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية لضمان نفاذها إلى مستحقيها دون عوائق.
الرفض القاطع لانتهاكات الضفة وغزة: الإعراب عن القلق البالغ تجاه التصعيد والانتهاكات الجارية في الضفة الغربية، وحث المجتمع الدولي على الاضطلاع بمسؤولياته السياسية والأخلاقية لوقف الممارسات الاعتداءية، مع الاعتقاد الجازم بأنه لا سلام دائم في المنطقة دون تسوية عادلة وشاملة تعيد للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.
ثانياً: السجل المصري الناصع في صون السلم والأمن الدوليين
لم تكن مكانة مصر الإقليمية والدولية وليدة المصادفة، بل هي ثمرة مواقف تاريخية وسياسات راسخة أثبتت من خلالها الدبلوماسية المصرية أنها “صانعة للسلام” عبر محاور متعددة:
الدعم التاريخي لعمليات حفظ السلام: تُعد مصر في مقدمة الدول المساهمة بكوادر متميزة من القوات المسلحة والشرطة في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام حول العالم، لحماية المدنيين واستعادة الاستقرار في أقاليم النزاع.
استضافة الهيئات والمكاتب الأممية: فتحت مصر أبوابها لاستضافة عشرات المكاتب والمقرات الإقليمية للأمم المتحدة، لتتحول القاهرة إلى مركز لوجستي وسياسي يدير العمليات الإنسانية والتنموية في المنطقة.
دبلوماسية التهدئة في الخليج والملاحة البحرية: إشادة الأمم المتحدة بالتحركات المصرية الحثيثة لمنع التصعيد في منطقة الخليج العربي، ودعم التفاهمات السلمية لتأمين حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب معالجة ملف البرنامج النووي الإيراني بالطرق السلمية وتجنب دائرة الصراع.
الرؤية الشاملة لأزمات السودان وليبيا والقرن الأفريقي: التأكيد الثابت على احترام سيادة الدول، ومنع تفكيك المؤسسات الوطنية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية وفق قواعد القانون الدولي، بعيداً عن التدخلات الأجنبية.
ثالثاً: ميثاق الأمم المتحدة وإصلاح مجلس الأمن
شدد الخطاب الرئاسي خلال اللقاء على ضرورة إعادة الثقة في منظومة العمل متعدد الأطراف التي تتعرض لضغوط غير مسبوقة:
الالتزام بمبادئ الميثاق: دعوة مصر الصريحة لتضافر الجهود الدولية لدعم المنظمة الأممية، واستعادة فاعلية أدواتها في حل النزاعات وتطبيق القانون الدولي بمعيار واحد دون ازدواجية.
إصلاح مجلس الأمن والتوازن الأفريقي: التأكيد على تمسك مصر بالإصلاح الشامل والهيكلي لمجلس الأمن الدولي، بما يعكس التوازنات الدولية المعاصرة، ويرفع الظلم التاريخي عن القارة الأفريقية عبر تعزيز تمثيلها العادل في المجموعتين الدائمة وغير الدائمة.
رابعاً: التكامل مع «الشبكة الوطنية للمنتديات التشاركية»
إن القضايا الاستراتيجية التي نوقشت في هذا اللقاء القومي لا يجب أن تظل حبيسة البيانات الرسمية، بل يجب نقلها للوعي المجتمعي عبر «المنظومة التشاركية للمنتديات»:
منتدى الجامعات والمدارس: لشرح مواقف مصر التاريخية في حماية الأمن القومي والدفاع عن حقوق الشعوب، وبناء وعي الشباب بالقانون الدولي ومبادئ العمل متعدد الأطراف.
منتدى الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني: لإشراك القوى الوطنية في صياغة بدائل التوعية بالسلام المجتمعي، وتأكيد التماسك الداخلي خلف مؤسسات الدولة في مواجهة التحديات الإقليمية الداهمة.
كلمة أخيرة
إن استمرار التعاون الوثيق بين جمهورية مصر العربية والأمم المتحدة يبرهن على أن مصر ستظل الشريك الاستراتيجي الموثوق لصناعة الحلول وتجاوز الأزمات. إن يد مصر الممدودة بالسلام، ومواقفها الشجاعة في الدفاع عن الحقوق العربية والأفريقية، ستظل الضمانة الأساسية لتحقيق الانتقال المنشود من إدارة النزاعات إلى إرساء قواعد السلام العادل والازدهار المستدام للجميع.







