ابن حذافة وثبات المؤمنين
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما مزيدا، وبارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أما بعد، فإن الله تعالى يوم القيامة لا ينظر إلى كم رصيدك أو ما هو منصبك ورتبتك، ولا ينظر إلى كم لديك من الأولاد والقصور والعقار، ولكن الله عز وجل ينظر إلى قلبك وما فيه من خير أو شر، لذا ينبغي علينا أن نهتم بهذا العضو ونزيّنه بزينة الإيمان والتوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ويجب علينا أن نعلم تماما أن الله تعالى انزل لباسين للإنسان، لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها.
ولباسا باطنا من التقوى يجمّل العبد ويستره، فإذا انكشف هذا الغطاء انكشفت عورته الباطنة كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها من لباس، فإن صلاح الجوارح بصلاح القلب، وقيل أنه بعث الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشا لحرب الروم وكان من بينهم شاب من الصحابة هو عبد الله بن حذافة رضي الله عنه وطال القتال بين المسلمين والروم وعجب قيصر من ثبات المؤمنين وجرأتهم على الموت، فأمر بأن يحضر بين يديه أسير من المسلمي، فجاءوا بعبدالله بن حذافة يجرونه والأغلال في يديه وفي قدميه فتحدث معه قيصر فأعجب بذكائه وفطنته، فقال له تنصّر وأنا أطلقك من الأسر، فغنظره هو يدعوه إلى ترك الإسلام وإعتناق النصرانية، فقال عبد الله بن حذافة لا.
فقال له تنصّر وأعطيك نصف ملكي، فقال له لا، فقال قيصر تنصّر وأعطيك نصف ملكي وأشركك في الحكم معي، فقال عبد الله بن حذافه رضي الله عنه لا والله لو أعطيتني ملكك وملك آباءك وملك العرب والعجم على أن أرجع عن ديني طرفة عين مافعلت، فغضب قيصر وقال إذن أقتلك فقال عبد الله أقتلني، فأمر به فسحب وعلق على خشبة وأمر الرماة أن يرموا السهام حوله، وقيصر يعرض عليه النصرانية وهو يأبى وينتظر الموت، فلما رأى قيصر إصراره أمر بأن يمضوا به إلى الحبس وأن يمنعوا عنه الطعام والشراب، فمنوعهما عنه حتى كاد أن يموت من الظمأ ومن الجوع فأحضروا له خمرا ولحم خنزير، فلما رآهما عبد الله، قال والله إني لأعلم أني لمضطر وإن ذلك يحل لي في ديني.
ولكن لا أريد أن يشمت بي الكفار، فلم يقرب الطعام، فأخبر قيصر بذلك، فأمر له بطعام حسن، ثم أمر أن تدخل عليه إمرأة حسناء تتعرض له بالفاحشة، فأدخلت عليه أجمل النساء، فلم يلتفت إليها فلما رأت ذلك خرجت وهي غاضبة، وقالت لقد أدخلتموني على رجل لا أدري أهو بشر أو حجر، وهو والله لا يدري عني أنا أنثى أم ذكر، فلما يأس منه قيصر أمر بقدر من نحاس ثم أغلى الزيت وأوقف عبدالله بن حذافه أمام القدر وأحضر أحد الأسرى المسلمين موثقا بالقيود وألقوة في الزيت المغلي فصرخ صرخه ومات وطفت عظامه تتقلب فوق الزيت وعبدالله ينظر إلى العظام فإلتفت إليه قيصر وعرض عليه النصرانية فأبى، فأشتد غضب قيصر وأمر به أن يطرح في القدر فلما جروه وشعر بحرارة النار بكى.
ودمعت عيناه، ففرح قيصر فقال له تتنصر وأعطيك وأمنحك، قال لا، فقال له إذن ما الذي أبكاك؟ فقال أبكي والله لأنه ليس لي إلا نفس واحدة تلقى في هذا القدر، ولقد وددت لو كان لي بعدد شعر رأسي نفوس كلها تموت في سبيل الله مثل هذه الموتة، فقال له قيصر بعد أن يأس منه قبل رأسي وأخلي عنك، فقال له عبدالله بن حذافه، وعن جميع أسرى المسلمين عندك، فقال أجل، فقبل عبد الله رأسه ثم أطلق مع باقي الأسرى، فقدم بهم على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخبر عمر بن الخطاب بذلك، فقال عمر بن الخطاب حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ، فقام عمر فقبّل رأسه، رضي
الله عنهم.







