نقطة ومن أول السطر…
بقلم الدكتورة / لبنى يونس
كلمةٌ يقولها مَن لا يعي التاريخ، ولا يدرك قيمة الوقت، ولا يفهم أن حياتنا ما هي إلا مجموعة من الأحداث والمواقف؛ منها الجميل، ومنها الجيد، ومنها ما يحمل درسًا قاسيًا.
أما الجميل، فقد استمتعنا به، وترك في نفوسنا أثرًا سيظل معنا حتى آخر العمر، وربما يمتد أثره إلى ما بعد رحيلنا.
وأما الدروس، فلا أقول عنها إنها أشياء سيئة؛ فكل قضاء الله خير، ولكنها دروس أراد الله بحكمته أن نتعلم منها، فربما تنفعنا في حياتنا القادمة، وربما تكون سببًا في رفع درجاتنا عند الله لصبرنا عليها واحتسابنا أجرها.
وليس كل ما يبدو لك سيئًا هو بالضرورة سيئًا؛ فقد نكون نحن مَن أسأنا إلى أنفسنا، ولم نُعطِها قدرها، أو تعاملنا مع المواقف والأشخاص بطريقة خاطئة.
نقطة ومن أول السطر…
لو تعاملنا مع كل شيء بهذا المنطلق، ووفق هذه النظرية، فلن نجد في حياتنا تاريخًا نتذكره، ولا ذكريات نسترجعها، مهما كانت طبيعتها، سواء أنصفتنا أو خذلتنا، أسعدتنا أو أحزنتنا.
فحياتنا ما هي إلا مجموعة من الكلمات، والعديد من السطور، تتشكل منها صفحات متتابعة، حتى يصبح لكل واحد منا كتابه الخاص.
وتلك الصفحات هي كتاب أعمالنا الذي سنلقَى الله به يوم اللقاء العظيم.
فلنتأمل كلماتنا، ولنراجع سطورنا، ولنسأل أنفسنا: كيف كتبناها؟ وبأي حبرٍ سطّرنا مواقفنا؟ وهل تستحق صفحات كتابنا أن نلقى الله بها؟
ليس أحد منا ملاكًا؛ فنحن بشر، نخطئ ونصيب، فينا الخير، وفينا الشر، وتختلف بيننا درجات الوعي والقدرة على مراجعة النفس.
منا مَن يعترف بخطئه، ويراجع نفسه، ويتوب ويعود إلى فطرته السليمة، ومنا مَن يصرّ على الخطأ، ويكابر، ويرفض الاعتراف بتقصيره.
نقطة ومن أول السطر…
إن مَن يتمسك بهذه العبارة مبدأً لحياته، ويجعلها أساسًا لتعامله مع الآخرين، وخاصة الأقارب والمقربين، دون أن يترك مجالًا للتسامح أو العتاب أو إصلاح ما أفسدته المواقف، قد يجد نفسه في نهاية المطاف وحيدًا، بلا أهل أو صحبة أو أقارب يحيطون به.
فلا بد أن ندرك أن الحياة أخذٌ وعطاء، وأنه كما لنا حقوق، فعلينا واجبات، وكما ننتظر من الآخرين أن يتفهموا أخطاءنا، علينا أن نتفهم أخطاءهم أيضًا.
لا يوجد بيننا مَن هو معصوم من الخطأ، ولا أحد يعيش بلا تقصير؛ فكلنا بشر، نحتاج إلى مَن يلتمس لنا العذر حين نخطئ، ويمد إلينا يده حين نتعثر، ويمنحنا فرصة لنبدأ من جديد.
وليس معنى ذلك أن نقبل الأذى أو نتنازل عن كرامتنا، بل أن نُحسن التمييز بين خطأ يمكن إصلاحه، وخلاف يمكن تجاوزه، وأذى لا بد معه من وضع حدود تحفظ لنا سلامنا وكرامتنا.
فليس كل خلاف يستحق القطيعة، وليس كل خطأ يستوجب أن نغلق الأبواب إلى الأبد.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في تسجيل أخطاء الآخرين، وأثمن من أن نهدرها في انتظار اعتذار قد لا يأتي.
فلنتعلم أن نراجع أنفسنا قبل أن نحاكم غيرنا، وأن نمنح التسامح مكانه، والعتاب حقه، والفرص حدودها.
فربما نحتاج يومًا إلى مَن يتجاوز عن خطئنا، كما تجاوزنا نحن عن أخطاء الآخرين.
نقطة ومن أول السطر…
لعلها تكون بداية جديدة، لا نمحو فيها الماضي، ولكن نتعلم منه، ولا ننكر أخطاءنا، ولكن نصلحها، ولا نقطع صلاتنا بكل مَن أخطأ، ولكن نعرف متى نسامح، ومتى نعاتب، ومتى نبتعد.
فالحكمة ليست في أن نبدأ من جديد كلما واجهتنا مشكلة، بل في أن نتعلم كيف نكمل الطريق بقلوب أكثر نضجًا، وعقول أكثر وعيًا، ونفوس تعرف أن التسامح قوة، وأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، وأن إصلاح العلاقات لا يقل أهمية عن الحفاظ على الكرامة.
بقلم الدكتورة / لبنى يونس






