من العلمين إلى القرن الأفريقي: هل يكون إعلان العلمين طوق النجاة من حروب المياه والممرات؟
بقلم: أشرف عبد الحميد
في وقت تتصاعد فيه نذر المواجهة الدبلوماسية بين دول القرن الأفريقي وتُغلق السفارات، جاءت رسالة مصر من مدينة العلمين مزدوجة: رسالة رسمية عبر القمم، ورسالة مجتمعية عبر مؤسسة ماعت.
ففي الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026 تحولت العلمين من ساحة حرب عالمية إلى عاصمة القرار الأفريقي، حيث استضافت 4 فعاليات كبرى: الاجتماع التنسيقي الثامن للاتحاد الأفريقي، وقمة الأعضاء المؤسسين للنيباد، ومنتدى العلمين – أفريقيا للأعمال، والقمة الرباعية التشاورية التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال.
وبالتوازي في القاهرة، عقدت مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان ومؤسسة شركاء من أجل الشفافية بصفتهما عضوي الجمعية العمومية الرابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الأفريقي ECOSOCC مائدتها رفيعة المستوى حول “أجندة أفريقيا 2063: التكامل الاقتصادي، والأمن المائي المستدام، والعدالة التعويضية”.
أولاً: إعلان العلمين.. النص الرسمي الذي صدر اليوم
نص إعلان العلمين الصادر في 3 أكتوبر 2026 والذي نشرته اليوم السابع اليوم يتكون من 24 بنداً، أبرز ما فيه:
التأكيد مجدداً على محورية أجندة 2063: أفريقيا التي نريدها وخطتها العشرية الثانية STYIP2 كخارطة طريق للنمو الشامل والتحول الهيكلي والتكامل الإقليمي والتصنيع.
الإقرار بأن وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية NEPAD هي الوكالة الإنمائية الرائدة والوسيط الاستراتيجي لتعبئة الموارد.
الدعوة لتمويل أفريقي مملوك لأفريقيا وقابل للتنبؤ، بعد انخفاض مساهمات الدول الأعضاء.
إنشاء منصة العلمين للاستثمار بحلول فبراير 2027، وتحويل منتدى العلمين لمنصة دائمة كل سنتين في مصر.
ثانياً: من حضر ومن غاب؟.. غياب إثيوبيا يتصدر المشهد
شارك في النسخة الأولى من منتدى العلمين – أفريقيا للأعمال ممثلون عن نحو 20 دولة أفريقية ومنظمات وقادة أعمال، من أبرزها: مصر (الدولة المستضيفة)، جنوب أفريقيا، أوغندا، تنزانيا، كينيا، نيجيريا، السنغال، الجزائر، ليبيا، أنجولا، بوروندي، غينيا الاستوائية، إريتريا.
بينما غابت السودان عن هذه الدورة بسبب ظروف الحرب، كان الغياب الأبرز والأكثر دلالة هو غياب إثيوبيا الكامل.
لماذا غابت إثيوبيا؟
التصعيد الدبلوماسي وطرد السفراء: شهدت الأيام القليلة التي سبقت المنتدى طرداً متبادلاً للدبلوماسيين؛ حيث أعلنت إثيوبيا دبلوماسياً مصرياً “شخصاً غير مرغوب فيه”، وردت القاهرة بالمثل بإعلان مستشار في السفارة الإثيوبية شخصاً غير مرغوب فيه ومنحته مهلة للمغادرة.
تفاقم أزمة سد النهضة: استمر التراشق السياسي حول ملف المياه. الهيئة الوطنية للإعلام أكدت أن ما صدر عن وزير الري الإثيوبي يكشف عن ارتباك واستمرار في التصرفات الأحادية المخالفة للقانون الدولي، بينما وصفت القاهرة السد بأنه مشروع غير شرعي.
ملف القرن الأفريقي: تزامن المنتدى مع توافد قادة إريتريا والصومال إلى العلمين لبحث قضايا الأمن الإقليمي، وسط رفض مصري لأي إجراءات تمس سيادة الدول، في إشارة لمذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال.
الأزمات الداخلية: تواجه أديس أبابا تصاعداً في القتال والاشتباكات في مناطقها الشمالية وتيغراي، مما يضع تركيزها على الداخل بدلاً من المشاركة الخارجية.
هذا الغياب أدخل ملف السد في مرحلة جمود كامل، مع قطع قنوات التفاوض، وانتقال المواجهة إلى بناء تحالفات استراتيجية في القرن الأفريقي (مصر – الصومال – إريتريا)، وتراجع دور الوساطة الأفريقية.
ثالثاً: نخبة المشاركين في مؤتمر ماعت – التوثيق الكامل
شهدت المائدة المستديرة مشاركة وازنة تعكس ثقل الملف:
القيادة السياسية والحقوقية:
أيمن عقيل رئيس ماعت ونائب رئيس ECOSOCC لشمال أفريقيا، الذي أكد أن “أفريقيا عانت على مدار تاريخها من الاستعمار ونهب ثرواتها، وأن آثار المستعمر لا تزال شاهدة رغم الاستقلال، وأن عدداً من القادة مثل مانديلا وعبد الناصر حلموا بتحريرها”، مطالباً بتخفيف أعباء الديون.
الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين – رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، المتحدث الرئيسي الذي أطلق الجملة الأهم: “نهر النيل هو شريان الحياة لمصر، وقضية الأمن المائي ليست تنموية فقط بل تمس حقوق الإنسان الأساسية والأمن القومي وحقوق الأجيال القادمة، والحق في التنمية لا يجب أن يمارس على نحو يهدد الحقوق المائية لشعوب أخرى”. وشدد أن أجندة 2063 يجب أن تنتقل من الطموحات إلى التنفيذ.
لويس سيسوكو رئيس ECOSOCC، ومحمد هارون نائبه لوسط أفريقيا، والسفيرة نميرة نجم مديرة المرصد الأفريقي للهجرة، وأمجد فتحي من هيئة الاستعلامات.
حسام الدين الأمير رئيس تحرير منصة الجسر ممثلاً للإعلام.
الخبراء الفنيون للأمن المائي:
الدكتور محمد عبد العاطي – وزير الموارد المائية والري الأسبق، المشارك في جلسة “إدارة المياه والأمن المائي المستدام في ضوء موضوع الاتحاد الأفريقي 2026”
الدكتورة نهى أبو بكر (الجامعة الأمريكية)، والدكتور عباس شراقي (جامعة القاهرة)، والدكتور أحمد مصطفى موسى (المجلس العربي للمياه)، والمهندس لؤي سيف.
رابعاً: إسقاط إعلان العلمين على أزمات القرن الأفريقي الخمس
1. سد النهضة – الفشل الأكبر:
إعلان العلمين يدعو للتكامل، لكن إثيوبيا تمارس الأمر الواقع. قال جمال الدين: “إدارة الموارد المشتركة يجب أن تقوم على التعاون وتبادل المعلومات واحترام القانون الدولي ومبدأ عدم التسبب في ضرر”. بينما أفريقيا تضم 63 نهراً و400 مليون مواطن يعاني الفقر المائي كما قال أيمن عقيل، تريد إثيوبيا منع مصر التي تعتمد 97% على النيل من حقها. وغيابها عن العلمين يؤكد أنها تختار المواجهة لا التعاون.
2. السودان – حرب تنسف التنمية:
كيف نتحدث عن AfCFTA والسودان، جسر مصر للقرن الأفريقي، يشهد حرباً شردت 12 مليون؟ القمة الرباعية في العلمين ناقشت السودان كأولوية لأن انهيار السودان يعني انهيار الأمن المائي والغذائي للمنطقة.
3. الصومال وأرض الصومال – قنبلة السيادة:
مذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال للحصول على منفذ بطول 50 كم هي انتهاك لمبدأ التكامل الإقليمي. مصر ردت بالشراكة الاستراتيجية مع الصومال في يناير 2025. كما قال السيسي في العلمين: “ثوابت الموقف المصري الداعم لسيادة الصومال ووحدة أراضيه”. وهذا أحد أسباب غياب إثيوبيا.
4. إريتريا وإثيوبيا – من نوبل إلى حافة الحرب:
من حليفين في 2018 إلى إغلاق السفارة وطرد السفراء. حرب بينهما ستغلق باب المندب الذي يمر عبره 12% من التجارة العالمية، وتخسر قناة السويس 25 مليون دولار يومياً. حضور إريتريا وغياب إثيوبيا في العلمين يكشف اصطفاف القارة.
5. التحالف المصري – حائط الصد:
القمة الرباعية (مصر-السودان-إريتريا-الصومال) ليست موجهة ضد إثيوبيا كما قالت الخارجية، لكنها حائط صد ضد فرض أمر واقع في النيل أو البحر الأحمر، وتطبيق عملي لفكرة منتدى العلمين للأعمال: التعاون بدل المواجهة. وغياب إثيوبيا يجعل هذا التحالف أكثر تماسكاً.
الخلاصة:
إعلان العلمين يقول: التنمية يجب أن تكون مملوكة لأفريقيا وممولة من أفريقيا.
لكن واقع القرن الأفريقي يقول: إثيوبيا تريد تمويل تنميتها من مياه مصر ومن موانئ الصومال بالقوة، ولذلك غابت عن العلمين.
الحل كما طرحته ماعت والعلمين معاً:
“لا يمكن لأفريقيا أن تتكامل اقتصادياً وهي منقسمة مائياً وبحرياً. إما أن نطبق أجندة 2063 بالتعاون واحترام القانون الدولي في النيل وباب المندب، أو سنظل ندور في حلقة الحروب بالوكالة حتى ينفجر باب المندب ويُغلق النيل. ومنتدى العلمين أثبت أن أفريقيا يمكنها أن تتكامل بدون من يخرق القانون”.
مصر اختارت في العلمين أن تكون قاطرة التنمية، لكنها شكلت في نفس الوقت تحالفها الرباعي كضامن للأمن القومي المائي والبحري، ورسالة إثيوبيا بعدم الحضور كانت أوضح من أي حضور.







