معركة السويس في 24 أكتوبر.. ملحمة شعب وجيش
صفاء مصطفى
تحل ذكرى 24 أكتوبر محملة بذكريات النصر والفخر بملحمة وطنية سطرت اسم السويس بحروف من نور في صفحات التاريخ المصري، حين تصدى الأهالي والجنود المصريون لمحاولة اقتحام الجيش الإسرائيلي للمدينة، في واحدة من أبرز معارك حرب المدن خلال حرب أكتوبر 1973
في ذلك اليوم، سعى الجيش الإسرائيلي إلى توجيه ضربة قوية للقوات المصرية، وقطع إمداداتها، وكسر معنويات الشعب، وتحقيق انتصار أخير يخفي إخفاقاته خلال الحرب. وتقدمت القوات الإسرائيلية بدباباتها وقوات النخبة، معتقدة أن السويس ستكون هدفا سهل المنال، لكنها اصطدمت بمقاومة شعبية وعسكرية حولت شوارع المدينة إلى ساحات قتال، وأثبتت أن إرادة أبناء السويس أقوى من الدبابات والأسلحة.
وتستعرض هذه الملحمة تفاصيل واحدة من أشهر معارك حرب المدن في التاريخ المصري، والتي وقعت خلال الساعات الأخيرة من حرب أكتوبر، واستندت رواياتها التاريخية إلى عدد من المراجع، من بينها كتاب «عبور القناة» للفريق سعد الدين الشاذلي، وكتاب «المعارك الحربية على.الجبهة المصرية» للمؤرخ جمال حماد، وكتاب «حرب التكفير» للرئيس الإسرائيلي السابق حاييم هرتسوغ، وكتاب «السياسة والحرب المصرية الإسرائيلية في حربي 1967 و1973» لجورج جوريج.
السويس والبحث الإسرائيلي عن انتصار أخير
مع اقتراب موعد وقف إطلاق النار، وجدت القيادة الإسرائيلية نفسها أمام سباق مع الزمن لتحقيق مكسب عسكري جديد. فقد تلقى وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشي ديان إخطارا من قائد القوات الدولية للطوارئ، إنزيو سيلافس، بشأن موعد وقف إطلاق النار النهائي في السابعة صباح 24 أكتوبر.
وبعد إخفاق القوات الإسرائيلية المتوغلة في منطقة الثغرة في احتلال بورسعيد أو الإسماعيلية، برزت السويس باعتبارها الهدف الذي يمكن من خلاله تحقيق انتصار أخير، في محاولة لفرض واقع عسكري جديد قبل سريان وقف إطلاق النار.
وعلى إثر ذلك، أصدر قائد القوات الإسرائيلية ديفيد إليعازر أوامره إلى القائد إبراهام أدان بتحريك الدبابات نحو المدينة واقتحامها، ونُقل عنه قوله: «إذا وجدتها بئر سبع فتقدم، وإن وجدتها ستالينجراد فتراجع».
وعكست هذه العبارة تقدير القيادة الإسرائيلية لاحتمالات المواجهة، إذ استحضرت سهولة السيطرة على بئر سبع في مقابل صعوبة القتال داخل ستالينجراد، المدينة التي شهدت واحدة من أعنف
معارك الحرب العالمية الثانية. لكن القوات الإسرائيلية لم تدرك على نحو كاف طبيعة المقاومة التي تنتظرها داخل السويس، ولا حجم الاستعداد الذي أبداه الأهالي والجنود للدفاع عن مدينتهم.
السويس تحت الحصار وجحيم القصف
عاشت السويس يوم 23 أكتوبر أوقاتا شديدة القسوة، مع بدء تنفيذ الخطة الإسرائيلية لحصار المدينة تمهيدا للاقتحام. وتعرضت المنشآت الحيوية للقصف الجوي، ما أدى إلى انقطاع الاتصالات والمياه والكهرباء، فيما أمطرت المدفعية الإسرائيلية الشوارع بالقذائف، وتعرضت منازل ومبان لأضرار جسيمة.
وأحكم الحصار قبضته على المدينة، وأصبح التواصل مع العالم الخارجي بالغ الصعوبة، في وقت كانت فيه المستشفيات تستقبل الشهداء والمصابين، وسط نقص الإمكانات وصعوبة تقديم الرعاية الطبية في ظل استمرار القصف.
ولم يكن الخطر مقتصرا على المنشآت العسكرية، بل امتد إلى حياة المدنيين ومرافقهم اليومية، بينما عاش السكان ساعات من القلق والترقب، وهم يدركون أن المواجهة البرية باتت وشيكة.
وفي ظل انقطاع وسائل الاتصال، مثّل مكتب لاسلكي تابع لشرطة النجدة وسيلة الاتصال الوحيدة بالحكومة المصرية، التي تابعت من خلاله تطورات الموقف داخل المدينة المحاصرة.
ورغم القصف والحصار، لم تنهَر إرادة أبناء السويس، بل ازدادت قناعتهم بضرورة الدفاع عن المدينة، وبدأ الأهالي والمقاومون والجنود الاستعداد لمواجهة القوات الإسرائيلية عند دخولها الشوارع والأحياء السكنية.
مع فجر 24 أكتوبر 1973، تجمع عدد من أهالي السويس في المسجد الجامع بالمدينة للاستماع إلى خطبة المحافظ بدوي الخولي، الذي أبلغهم باقتراب القوات الإسرائيلية من مشارف السويس واستعدادها لاقتحامها، داعيا المواطنين إلى ضبط النفس والاستعداد لمواجهة الظروف الصعبة.
واختتم المحافظ خطبته بالتكبير، فردد المصلون خلفه، في مشهد جسد تمسك الأهالي بالأمل والثبات في مواجهة الخطر.
وفي الوقت نفسه، حلقت الطائرات الحربية الإسرائيلية فوق سماء المدينة وألقت قذائفها تمهيدا للهجوم البري. غير أن تحركات الطائرات ساعدت المقاومة الشعبية على استنتاج مسارات التقدم المحتملة، بعدما لاحظ المقاومون تجنب قصف ثلاثة شوارع رئيسية كان من المتوقع أن تسلكها القوات المهاجمة.
وأتاح ذلك للمقاومة فرصة الاستعداد وإعداد الكمائن في مواقع مناسبة، مستفيدة من معرفة الأهالي بتفاصيل الشوارع والأحياء والممرات الضيقة، وهي عوامل لعبت دورا مهما في تحويل التقدم الإسرائيلي إلى مواجهة صعبة داخل المدينة.
من أطلق الطلقة الأولى في ملحمة السويس؟
بدأت المواجهات مع تقدم القوات الإسرائيلية من عدة محاور، في محاولة للوصول إلى قلب المدينة والسيطرة على مواقعها الحيوية.
فقد تقدمت كتيبة إسرائيلية باتجاه منطقة الهويس شمالي السويس، حيث اعترضها صائدو الدبابات من الفرقة 19 بالجيش المصري، وتمكنوا من إصابة دبابة المقدمة وتعطيلها، ما عرقل حركة بقية الدبابات في الطريق الضيق، وأجبر القوة المتقدمة على مواجهة مقاومة لم تكن تتوقعها بهذه الشراسة.
وفي الجنوب، تقدمت كتيبة إسرائيلية أخرى حتى وصلت إلى منطقة المحافظة، بينما تحرك الرتل الرئيسي، الذي ضم 48 دبابة ومصفحة، من المدخل الغربي للمدينة. ووفقا للرواية الواردة في المصادر التاريخية، لم تواجه هذه القوة مقاومة تذكر في بداية تقدمها، الأمر الذي دفع بعض قادة الدبابات إلى التحرك بثقة مفرطة، حتى إن بعضهم صعد إلى نوافذ أبراج المدرعات دون اتخاذ احتياطات كافية للحماية
وفي هذه الأثناء، استعد المقاوم محمود عواد، أحد رجال منظمة سيناء العربية، لإطلاق قذيفة من سلاح «آر بي جي» على دبابة المقدمة، لكنها أفلتت من الإصابة.
غير أن المقاوم إبراهيم سليمان، المنتمي إلى منظمة سيناء، كان ينتظر الرتل عند موقع سينما رويال، وتمكن من إصابة دبابة المقدمة بقذيفة مباشرة، ثم أطلق قذيفة أخرى استهدفت المصفحة المرافقة لها.
وكان تعطيل الدبابة الأولى نقطة تحول في المواجهة، إذ تسبب في إرباك حركة الرتل، وبدأ الجنود الإسرائيليون في القفز من دباباتهم ومركباتهم، لتشتعل الاشتباكات مع الأهالي والجنود المصريين الذين استخدموا البنادق والقنابل اليدوية والأسلحة المضادة للدبابات.
.وتحولت الشوارع إلى ساحات قتال، واستفاد المقاومون من طبيعة المنطقة والمباني المحيطة، بينما واجهت القوات الإسرائيلية صعوبة في المناورة والتحرك وسط النيران المتبادلة.
وأسفرت المواجهات، وفقا للرواية الواردة في المادة التاريخية، عن سقوط 20 من قادة الدبابات الإسرائيليين بين قتيل وجريح، في مشهد كشف عن حجم المقاومة التي واجهتها القوات المتقدمة.
معركة قسم الأربعين.. حين تحولت الشوارع إلى خطوط دفاع
تتوقف المواجهات عند كمائن الدبابات، بل امتدت إلى قسم شرطة الأربعين، الذي أصبح أحد أبرز مواقع الاشتباك خلال معركة السويس.
فقد رافقت قوات من المظليين الإسرائيليين الدبابات المتقدمة، واستخدمت مصفحات مصرية كان الإسرائيليون قد استولوا عليها في محاولة للتخفي والاقتراب من المواقع المستهدفة. لكن الأهالي تمكنوا من التعرف على القوات المهاجمة، وبدأوا في استهدافها بقذائف «آر بي جي» والرصاص.
وأمام شدة المقاومة، اضطر عدد من المظليين إلى مغادرة مركباتهم والاحتماء بالمباني المحيطة، بينما تمكن الأهالي من القضاء على تسعة منهم، وفق الرواية التاريخية الواردة في المادة.
وحاولت الشرطة استعادة القسم عبر محاولتين، لكن تحصينات القوات الإسرائيلية وصعوبة الاقتراب من المبنى أدت إلى استشهاد ثمانية من أفراد الشرطة، في واحدة من أكثر اللحظات قسوة خلال المعركة.
وعلى الرغم من الخسائر، لم يتوقف المقاومون عن محاولة استعادة المبنى وإنهاء وجود القوات الإسرائيلية داخله. وتقدم رجال منظمة سيناء بقيادة إبراهيم سليمان، الذي سبق أن شارك في استهداف الدبابة الأولى، في محاولة لاقتحام القسم.
لكن القناصة الإسرائيليين استهدفوا سليمان خلال الاشتباكات، ليسقط شهيدا، تاركا وراءه سيرة أحد المقاومين الذين شاركوا في التصدي للتقدم الإسرائيلي منذ اللحظات الأولى للمعركة.
وبحسب الرواية الواردة في المادة التاريخية، لم تنته المواجهة عند ذلك، إذ تمكن عدد من الأهالي من الوصول إلى سطح المبنى الذي تحصن فيه خمسة من المظليين الإسرائيليين، واشتبكوا معهم حتى قضوا عليهم.
وهكذا تحول قسم الأربعين إلى رمز للمقاومة الشعبية والشرطية، بعدما واجه رجال الشرطة والأهالي القوات المهاجمة رغم فارق التسليح والخسائر التي تكبدوها.
السويس.. حين انتصر صمود الأهالي والجنود
لم تكن معركة السويس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين جيشين، بل كانت ملحمة شارك فيها الجنود المصريون ورجال الشرطة وأبناء المدينة، الذين أدركوا أن الدفاع عن السويس مسؤولية مشتركة لا يمكن التراجع عنها.
لقد اعتمدت المقاومة على معرفة الأهالي بشوارع المدينة، وعلى الكمائن التي أعدت بعناية، وعلى التعاون بين المدنيين والعسكريين، وهو ما صعّب حركة القوات الإسرائيلية داخل الأحياء، وحوّل محاولتها لاقتحام المدينة إلى معركة استنزفت قواتها وأفشلت هدفها في السيطرة السريعة عليها.
وتظل ذكرى 24 أكتوبر حاضرة في الوجدان المصري بوصفها مناسبة لاستعادة واحدة من أهم صفحات الصمود الوطني في حرب أكتوبر 1973، واستحضار تضحيات الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعا عن مدينتهم ووطنهم.
ففي السويس، لم يكن الدفاع عن الأرض مسؤولية الجنود وحدهم، بل كان موقفا شعبيا شارك فيه الأهالي والشرطة والمقاومة، ليؤكد أن المدن لا تُقاس قوتها بما تمتلكه من أسلحة فقط، وإنما بإرادة أبنائها وقدرتهم على التكاتف في اللحظات الفاصل







