مصر وحسابات الأمن القومي في إفريقيا والخليج والبحر الأحمر
لماذا يمثل الحضور المصري في محيطها الإقليمي ركيزة أساسية لحماية الأمن القومي العربي
بقلم :أيمن بحر
ليست كل التحركات السياسية والعسكرية مجرد أحداث عابرة وليست كل العلاقات بين الدول محكومة بالمصالح الاقتصادية وحدها فهناك حسابات استراتيجية أعمق تتعلق بحماية الحدود وتأمين طرق التجارة ومواجهة محاولات فرض النفوذ وإعادة رسم موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا
ومن هنا تأتي أهمية الدور المصري في محيطها العربي والإفريقي باعتبار مصر دولة محورية تمتلك ثقلا سياسيا وتاريخا عسكريا وموقعا جغرافيا يجعلها طرفا أساسيا في معادلة الأمن الإقليمي
فمصر تدرك أن حماية أمنها القومي لا تبدأ من حدودها المباشرة فقط بل تمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي ودول الخليج والعمق الإفريقي حيث ترتبط مصالحها المائية والتجارية والاقتصادية والأمنية بمجموعة واسعة من التطورات الإقليمية
إفريقيا ساحة مهمة لحماية المصالح المصرية
يمثل الحضور المصري في إفريقيا أحد أهم أبعاد السياسة الخارجية المصرية فالقارة تشهد تنافسا دوليا متزايدا على النفوذ والموارد والموانئ وممرات التجارة وهو ما يفرض على القاهرة تعزيز علاقاتها مع الدول الإفريقية من خلال التعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي والتدريب العسكري وبناء الشراكات الاستراتيجية
ولا يتعلق الأمر بمنافسة دولة بعينها فقط بل بحماية المصالح المصرية ومنع تحول أي منطقة مجاورة إلى مصدر تهديد للأمن القومي المصري
وتزداد أهمية هذا الدور في منطقة القرن الإفريقي التي ترتبط ارتباطا مباشرا بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية
البحر الأحمر وباب المندب خط دفاع عن الاقتصاد المصري
تدرك الدولة المصرية أن استقرار البحر الأحمر ليس قضية جغرافية بعيدة عن حياة المواطنين بل يرتبط بصورة مباشرة بأمن قناة السويس وحركة التجارة العالمية ومصادر الدخل القومي
فأي اضطراب واسع في الملاحة أو تصاعد للصراعات في المناطق المطلة على البحر الأحمر قد ينعكس على حركة السفن وتكاليف النقل والتجارة الدولية ومن ثم فإن تعزيز العلاقات مع الدول المطلة على هذا الممر الحيوي يمثل ضرورة استراتيجية
وفي هذا السياق يأتي التعاون المصري مع الصومال والدول العربية والإفريقية في إطار دعم الاستقرار واحترام سيادة الدول وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الأمنية المشتركة
أما الحديث عن أن كل تحرك مصري يستهدف منع إسرائيل من السيطرة على منطقة بعينها فيحتاج إلى أدلة ومعلومات موثقة لأن التحليل الاستراتيجي الجاد يفرق بين المصالح المؤكدة والتقديرات السياسية والسيناريوهات المحتملة
الخليج العربي ومصر شراكة تتجاوز حدود الجغرافيا
تمثل العلاقات المصرية الخليجية ركيزة مهمة من ركائز الأمن العربي فالمصالح المشتركة بين مصر ودول الخليج تشمل الدفاع والاستثمار والتجارة والطاقة ومواجهة التهديدات التي يمكن أن تؤثر على استقرار المنطقة
وتزداد أهمية التنسيق العربي في ظل التوترات الإقليمية وتعدد بؤر الصراع وتنامي التنافس على النفوذ ولذلك فإن التعاون الدفاعي بين الدول العربية ينبغي أن يقوم على المصالح المشتركة والاتفاقات المعلنة واحترام سيادة كل دولة
ومع ذلك فإن الحديث عن إرسال تشكيلات عسكرية أو مقاتلات مصرية إلى دولة بعينها يجب أن يستند إلى بيانات رسمية أو تقارير موثوقة قبل تقديمه باعتباره حقيقة مؤكدة لأن القضايا العسكرية لا تحتمل الاعتماد على الشائعات أو الاستنتاجات غير المدعومة
السودان والصومال أمن الجوار مسؤولية استراتيجية
لا يمكن فصل الأمن المصري عن استقرار السودان الذي يرتبط بمصر بحدود طويلة ومصالح تاريخية ومائية واجتماعية كما أن استمرار الحرب السودانية يمثل تحديا خطيرا للاستقرار الإقليمي ويزيد من المخاطر الإنسانية والأمنية
ومن ثم فإن دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه ووقف الحرب والحفاظ على مؤسساته الوطنية يمثل مصلحة مصرية وعربية أساسية
وفي الصومال تتجلى أهمية دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها وتعزيز قدرتها على مواجهة الإرهاب وحماية أراضيها ومياهها الإقليمية بما يسهم في استقرار القرن الإفريقي وتأمين الممرات البحرية الحيوية
ولا ينبغي اختزال هذه الملفات المعقدة في رواية واحدة أو الجزم بأن جميع الأطراف تتحرك وفق مخطط موحد من دون أدلة واضحة فالمصالح الدولية متشابكة والقرارات السياسية والعسكرية تخضع لحسابات متعددة
هل تتقاطع المصالح المصرية والإسرائيلية في المنطقة
من الطبيعي أن تتقاطع مصالح الدول وأن تتنافس القوى الإقليمية على النفوذ والمواقع الاستراتيجية والموارد والممرات البحرية كما أن السياسات الإسرائيلية في المنطقة تثير تساؤلات أمنية وسياسية لدى عدد من الدول العربية
لكن قوة الموقف المصري لا تحتاج إلى المبالغة أو إطلاق اتهامات غير موثقة بل تستند إلى قدرته على حماية مصالحه وبناء علاقات متوازنة وتعزيز حضوره الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي
إن مصر التي تمتلك موقعا استراتيجيا فريدا وتتحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية مطالبة بمواصلة تطوير قدراتها وتعزيز شراكاتها الإفريقية والعربية والعمل على منع تحول مناطق الجوار إلى بؤر تهديد لأمنها واستقرارها
تيران وصنافير وضرورة قراءة الملفات الاستراتيجية بدقة
يظل ملف جزيرتي تيران وصنافير من الملفات التي أثارت نقاشا واسعا في الشارع المصري ولا يجوز تفسيره باعتباره جزءا من مخطط إقليمي محدد من دون الاستناد إلى الوثائق والاتفاقات والوقائع المعلنة
فالقراءة المهنية لأي قضية تتعلق بالسيادة والحدود والأمن القومي تتطلب التمييز بين المواقف السياسية والحقائق القانونية والتقديرات الاستراتيجية مع احترام حق المواطنين في المعرفة والنقاش المسؤول
مصر دولة مؤسسات ومصالح لا دولة ردود أفعال
الخلاصة أن قوة مصر لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية بل في قدرتها على الجمع بين القوة والدبلوماسية والاقتصاد وبناء التحالفات والحفاظ على توازنات المنطقة
فالأمن القومي المصري يمتد من الحدود البرية إلى البحر الأحمر ومن قناة السويس إلى العمق الإفريقي ومن العلاقات الخليجية إلى حماية المصالح الاقتصادية والتجارية
وفي عالم تتصارع فيه القوى على النفوذ لا يكفي أن نرفع الشعارات بل يجب أن نفهم الوقائع ونقرأ التحركات بعقل واع ونفرق بين المعلومة الموثقة والتحليل السياسي والشائعة
مصر أكبر من أن تختزل في منشور متداول وأقوى حين تستند إلى الوعي والمعرفة ووحدة الصف والعمل الوطني المسؤول
مصر أمة بتاريخها ومؤسساتها وشعبها وقدرتها على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها
تحيا مصر ويحيا وعي المصريين







