مصر والسعودية وأمن البحر الأحمر.. لماذا يرتبط الدفاع عن المملكة بحماية قناة السويس والأمن القومى المصرى
بقلم :أيمن بحر
فى ظل التصعيد المتزايد فى منطقة الشرق الأوسط وتداخل الصراعات الإقليمية من الخليج العربى إلى البحر الأحمر تبرز أهمية الموقف المصرى تجاه أمن المملكة العربية السعودية باعتباره قضية تتجاوز حدود التضامن السياسي لتصل إلى اعتبارات الأمن القومى والمصالح الاستراتيجية المشتركة
فمصر والسعودية دولتان محوريتان فى المنطقة وأمن كل منهما يرتبط بدرجة كبيرة باستقرار المنطقة العربية وحماية الممرات البحرية التي تمثل شرايين رئيسية للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة والغذاء
باب المندب وقناة السويس.. معادلة الأمن القومي المصري
لا يمكن فهم أهمية مضيق باب المندب بالنسبة لمصر دون إدراك علاقته المباشرة بالبحر الأحمر وقناة السويس التي تمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي والعملات الأجنبية للدولة المصرية
فأي اضطراب أمني في باب المندب أو تهديد للسفن التجارية العابرة للبحر الأحمر ينعكس على حركة الملاحة المتجهة إلى قناة السويس وقد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مسارات سفنها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بما يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر سلبا على إيرادات القناة
وقد أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في مايو 2026 أن مصر تكبدت خسائر تقدر بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس نتيجة اضطرابات الملاحة والهجمات على السفن في منطقة باب المندب وهو ما يعكس حجم المخاطر الاقتصادية المترتبة على عدم استقرار هذا الممر الحيوي
ومن هنا فإن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر ليست قضية بعيدة عن المواطن المصري بل ترتبط بالاقتصاد الوطني وتكاليف التجارة واستقرار سلاسل الإمداد
لماذا تتحرك مصر لدعم السعودية
في ضوء التطورات الإقليمية الأخيرة أعلنت القاهرة استعدادها لتقديم الدعم اللازم للمملكة العربية السعودية دفاعا عن أمنها واستقرارها في مواجهة الهجمات التي تستهدف أراضيها ومنشآتها الحيوية
ووفقا للتصريحات المنشورة في 22 أكتوبر 2026 فإن الموقف المصري المعلن يقوم على دعم الدفاع عن الأراضي السعودية وحدودها مع استمرار الجهود الدبلوماسية لتجنب اتساع دائرة المواجهة
وهنا يجب التمييز بين الدفاع عن دولة عربية شقيقة وبين الدخول في حرب مفتوحة لا تتحدد أهدافها أو مدتها أو تكلفتها بصورة واضحة
فالمصلحة المصرية تقتضي حماية الأمن العربي والممرات البحرية مع الحفاظ على أرواح الجنود المصريين وتجنب الانزلاق إلى صراع طويل يستنزف موارد الدولة ويهدد استقرار المنطقة بأكملها
كما أن أي قرار يتعلق بمشاركة عسكرية خارج الحدود يجب أن يستند إلى تقدير دقيق للمخاطر والأهداف والنتائج المتوقعة وأن يراعي الدستور والمصالح العليا للدولة المصرية
تمثل الهجمات التي تستهدف السفن التجارية في البحر الأحمر مصدر قلق إقليميا ودوليا وقد أظهرت التطورات السابقة أن تهديد الملاحة في باب المندب قادر على إحداث تأثيرات اقتصادية تتجاوز حدود اليمن لتصل إلى مصر ودول الخليج والأسواق العالمية
وتربط تقارير دولية بين جماعة الحوثيين وإيران من حيث الدعم والعلاقات السياسية والعسكرية لكن تقدير طبيعة هذا الدعم وحدوده يظل مسألة تحتاج إلى الاستناد إلى معلومات موثقة ومصادر موثوقة
أما الحديث عن وجود خطة سرية متكاملة لتسليم السيطرة على المضايق البحرية إلى أطراف بعينها أو فرض رسوم على السفن العابرة لقناة السويس أو تنفيذ اتفاقات سرية لتطويق مصر والسعودية فهو حديث لا يصح تقديمه باعتباره حقيقة مؤكدة دون أدلة واضحة
ومع ذلك فإن التحسب للمخاطر المحتملة ليس أمرا مبالغا فيه فالدول التي تمتلك رؤية استراتيجية لا تنتظر حتى تتحول التهديدات إلى أزمات فعلية بل تعمل على حماية مصالحها وبناء قدراتها وتعزيز التعاون مع شركائها
هل توجد صفقة إقليمية لإبعاد قناة السويس عن خريطة التجارة
تتردد بين الحين والآخر تحليلات تتحدث عن مسارات تجارية بديلة تربط الخليج بالبحر المتوسط عبر خطوط برية وموانئ إقليمية وقد تكتسب هذه المشروعات أهمية اقتصادية وسياسية في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة
لكن وجود مشروعات للنقل أو التجارة البديلة لا يثبت وحده وجود اتفاق يستهدف إقصاء قناة السويس أو محاصرة مصر اقتصاديا كما أن الحديث عن مقايضة سيناء أو فرض التهجير أو تنفيذ مخططات سرية على حساب السيادة المصرية يحتاج إلى أدلة موثقة قبل التعامل معه بوصفه واقعا قائما
والثابت أن مصر تمتلك موقعا جغرافيا استراتيجيا وقناة السويس تمثل ممرا دوليا بالغ الأهمية ولا يمكن التعامل مع مستقبلها بمعزل عن حرية الملاحة والقانون الدولي ومصالح الدول المرتبطة بالتجارة العالمية
أمن السعودية من أمن مصر
إن العلاقة المصرية السعودية ليست مجرد علاقة سياسية عابرة بل تقوم على مصالح متشابكة وروابط تاريخية وأمنية واقتصادية
فاستقرار المملكة ينعكس على استقرار الخليج والمنطقة كما أن أمن البحر الأحمر يرتبط بأمن مصر والسعودية واليمن والدول المشاطئة له
ومن ثم فإن أي تهديد للملاحة أو محاولة لاستخدام الممرات البحرية وسيلة للضغط السياسي والاقتصادي يجب أن يقابل بتحرك عربي مسؤول يقوم على التنسيق وتبادل المعلومات وتعزيز القدرات الدفاعية وحماية السفن التجارية مع إعطاء الأولوية للحلول السياسية كلما أمكن ذلك
وفي المقابل لا ينبغي أن يتحول التضامن العربي إلى مبرر لتبادل الاتهامات أو نشر معلومات غير مؤكدة أو الزج بالشعوب في صراعات طائفية لا تخدم سوى أطراف تسعى إلى توسيع دائرة الانقسام
الوعي الوطني ضرورة لا تقل أهمية عن القوة العسكرية
إن أخطر ما تواجهه المنطقة ليس فقط الصواريخ والطائرات المسيرة وتهديدات الممرات البحرية بل أيضا انتشار الشائعات والتحليلات التي تقدم السيناريوهات المحتملة باعتبارها حقائق نهائية
فالوعي الحقيقي لا يعني تصديق كل ما يقال ولا رفض كل ما يطرح بل يعني التحقق من المعلومات وفهم المصالح الاستراتيجية والتمييز بين الخبر والتحليل والاستنتاج
ومصر بحكم موقعها الجغرافي ومسؤوليتها الإقليمية مطالبة بالحفاظ على أمنها القومي وصون سيادتها وحماية قناة السويس وتعزيز علاقاتها مع الدول العربية الشقيقة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية
إن الدفاع عن الأمن العربي يجب أن يقوم على رؤية واضحة وحسابات دقيقة تحمي الأوطان من التهديدات الخارجية ومن مخاطر التورط في صراعات مفتوحة لا تخدم مصالح الشعوب
حفظ الله مصر وجيشها وشعبها وحفظ المملكة العربية السعودية وسائر الدول العربية من الفتن والحروب
تحيا مصر ويحيا التضامن العربي القائم على الوعي والمسؤولية وحماية المصالح المشتركة







