كيف تراهن الجزائر على التعليم لصناعة اقتصاد ما بعد المحروقات
متابعة / احمد مدنى : شعاع نيوز
في عالم يشهد تحولات اقتصادية متسارعة، لم تعد الثروة الطبيعية وحدها كافية لضمان النمو والاستقرار، فالدول التي تعتمد على النفط والغاز باتت تدرك أن الموارد القابلة للنضوب لا يمكن أن تشكل أساسا دائما للتنمية، وأن الاستثمار الحقيقي يكمن في الإنسان، باعتباره المورد الوحيد الذي تتزايد قيمته كلما ازداد تعليما وتأهيلا
وتبرز الجزائر بوصفها واحدة من أكثر الدول العربية إنفاقا على التعليم قياسا إلى ناتجها المحلي الإجمالي، وفقا لبيانات منظمة “يونسكو”، ولا يعكس هذا الرقم مجرد زيادة في مخصصات قطاع اجتماعي، بل يحمل دلالات أعمق ترتبط بتحول تدريجي في فلسفة التنمية، يقوم على بناء رأس المال البشري باعتباره ركيزة لتنويع الاقتصاد وتقليل الارتهان لعائدات المحروقات
ومن جانبة صرح المكلف بالإعلام لنقابة “السناباب” للأساتذة الجامعيين البروفيسور نبيل ولد محي الدين، الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الجزائر، باعتبار أن بناء رأس المال البشري يمثل الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي واقتصادي ناجح
وأكد محي الدين أن “التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي نجحت في تنويع اقتصاداتها لم تعتمد على الثروات الطبيعية فحسب، بل جعلت من التعليم والبحث العلمي والابتكار أساسا لإعداد كفاءات قادرة على الإنتاج والإبداع وقيادة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تسمح لها بمواكبة العصرنة والتقدم الرهيب
وأضاف: “هذا التوجه بات ضرورة ملحة تنسجم مع الطموح الوطني الرامي إلى تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على المحروقات، إذ لا يمكن لأي استراتيجية اقتصادية أن تحقق أهدافها دون مورد بشري يواكب هذه الاستراتيجية
وحسب محي الدين،”شهد قطاع التعليم العالي والبحث العلمي خلال السنوات الأخيرة إطلاق الكثير من الإصلاحات والمبادرات الهادفة إلى تعزيز الابتكار، وتشجيع المقاولات، ودعم المؤسسات الناشئة، والانفتاح على المحيط الاقتصادي، وهي خطوات إيجابية تستدعي مواصلة مرافقتها وتقييم أثرها بما يضمن تحقيق النتائج المرجوة
وأكد أن “التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في حجم الإنفاق فقط، بل في تعظيم مردوده من خلال ترسيخ ثقافة الجودة، وربط مخرجات التكوين باحتياجات سوق العمل، وتثمين نتائج البحث العلمي وتحويلها إلى مشاريع ومنتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية واجتماعية، بما يعزز مساهمة الجامعة في التنمية الوطنية
وشدد محي الدين على أن “الاستثمار في التعليم، إذا اقترن بحوكمة فعالة، وتطوير مستمر لنوعية التكوين، وتعزيز الشراكة بين الجامعة والقطاعين الاقتصادي والاجتماعي، سيجعل من الجامعة الجزائرية رافعة حقيقية للتنمية، ومصدرا لإنتاج المعرفة والابتكار وإيجاد الثروة، بما يرسخ مكانة الجزائر في اقتصاد المعرفة
وقال المحلل السياسي حكيم بوغرارة لـ”سبوتنيك”: ” ان الجزائر تمتلك واحدة من أكبر الكتل الشبابية في المنطقة، وهو ما يفرض توسعا مستمرا في المؤسسات التعليمية والجامعات والبنى التحتية، مع الحاجة إلى توظيف أساتذة جدد وتوفير الخدمات التعليمية لملايين التلاميذ والطلبة
وأضاف: “تسعى الدولة إلى تحسين نوعية رأس المال البشري باعتباره شرطا أساسيا لإنجاح مشاريعها الاقتصادية الجديدة، سواء في الصناعة أو الزراعة أو الطاقات المتجددة أو الاقتصاد الرقمي، وأن هذا يرتبط برغبة في تعزيز العدالة الاجتماعية، إذ ما تزال مجانية التعليم إحدى الركائز الأساسية للنموذج الاجتماعي الجزائري، بما يسمح بتوسيع فرص الالتحاق بالتعليم العالي أمام مختلف الفئات
وأكد بوغرارة أن “هذا التوجه يتزامن مع استراتيجية أوسع تستهدف رفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي، وهو هدف يصعب تحقيقه دون قوى عاملة عالية الكفاءة
وبين أن “الجزائر أعلنت خلال السنوات الأخيرة عن برامج لتطوير قطاعات جديدة، تشمل الصناعات التحويلية، والمؤسسات الناشئة، والاقتصاد الرقمي، والمناجم، والسياحة، والطاقات المتجددة، والصناعات الصيدلانية، والصناعات الغذائية
ورأى بوغرارة أن “نجاح هذه القطاعات لا يعتمد فقط على توفير التمويل أو البنية التحتية، وإنما إلى مهندسين، باحثين، مبرمجين، تقنيين، مديرين يمتلكون مهارات تتلاءم مع متطلبات الاقتصاد الحديث، ليصبح التعليم الحلقة الأولى في سلسلة التنويع الاقتصادي، إذ لا يمكن بناء اقتصاد قائم على الابتكار من دون منظومة تعليمية قادرة على إنتاج المعرفة والمهارات
وبيّن بوغرارة أن “الأرقام الخاصة بارتفاع الإنفاق الجزائري على التعليم تشي بتحول مهم في التفكير الاقتصادي للدولة، يقوم على أن الثروة الحقيقية ليست في باطن الأرض فقط، بل في العقول القادرة على الابتكار والإنتاج