انا كالخيل ..لبنى يونس
ماذا تفعل الخيول وقت هبوب العاصفة؟
مقال أدبي اجتماعي | بقلم دكتورة لبنى يونس
ليست كل العواصف في السماء، فبعضها يهبُّ في حياتنا فجأة، فيقتلع من حولنا أشياء ظنناها ثابتة، ويكشف لنا وجوهًا حسبناها مألوفة، ويضعنا أمام اختبارات لم نستعد لها يومًا.
لكن هل سألت نفسك يومًا: ماذا تفعل الخيول حين تهبُّ العاصفة؟
إن الخيول، تلك الكائنات التي تجمع بين القوة والرشاقة والحساسية، لا تتصرف جميعها بالطريقة نفسها حين تواجه الرياح العاتية؛ فمنها ما يبحث عن مأوى يحتمي به، ومنها ما يتجه نحو ساتر طبيعي، ومنها ما يحاول الابتعاد عن مصدر الخطر. فالغريزة تدفعها إلى البحث عن النجاة، لا إلى إنكار وجود العاصفة.
وهنا توقفت طويلًا أمام هذه الصورة، ورأيت فيها درسًا من دروس الحياة.
فلماذا يصرُّ بعض البشر على الهرب من كل عاصفة، بينما يظن آخرون أن القوة تعني الوقوف في وجه كل شيء؟
نحن لا نملك أن نمنع الرياح من الهبوب، ولا أن نُقنع السماء بتأجيل أمطارها، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نحمي أنفسنا، وكيف نختار معاركنا، ومتى نواجه، ومتى ننسحب قليلًا لنستعيد قدرتنا على المواجهة.
فليس كل انسحاب هزيمة، وليس كل صمود بطولة، وليس كل من ابتعد عن المشهد جبانًا؛ فقد يكون الابتعاد حكمة، وقد يكون الصمت اتزانًا، وقد تكون إعادة ترتيب الأوراق أشجع قرار يتخذه الإنسان في لحظة اضطراب.
كم من إنسان ظل يقاوم عاصفة لا تستحق كل هذا الاستنزاف، فقط حتى لا يقول الناس إنه تراجع! وكم من إنسان استمر في علاقة تؤذيه، أو معركة تستنزف روحه، أو طريق لم يعد يشبهه، خوفًا من أن يُساء فهم قراره بالرحيل!
لقد تربَّينا أحيانًا على أن القوة تعني ألا ننكسر، وألا نتراجع، وألا نعترف بالتعب، حتى أصبح بعضنا يخجل من حاجته إلى الراحة، ويعتبر طلب المساعدة ضعفًا، ويواصل السير رغم أن روحه تستغيث به أن يتوقف قليلًا.
لكن الحقيقة أن القوة ليست في أن تتحمل كل شيء، بل في أن تعرف ما الذي يستحق أن تتحمله، وما الذي ينبغي أن تتركه خلفك.
العاصفة لا تختبر قوتك وحدها، بل تختبر حكمتك أيضًا.
وحين تعصف بنا الحياة، قد نفقد أشخاصًا، أو فرصًا، أو أموالًا، أو أحلامًا رسمناها بعناية. وقد نكتشف أن بعض ما احتمينا به لم يكن مأوى آمنًا، وأن بعض الأيدي التي تمسكنا بها كانت أول ما أفلتنا حين اشتدت الرياح.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نخرج من كل عاصفة أكثر قسوة، أو أقل ثقة بالحياة؛ بل علينا أن نخرج أكثر وعيًا، وأحسن اختيارًا، وأقدر على التمييز بين من يكون معنا في أوقات الرخاء، ومن يثبت حين تضيق الطرق وتشتد المحن.
فليست العبرة بأن تعبر العاصفة دون أن يمسَّك غبارها، بل بأن تعبرها دون أن تفقد جوهرك، أو تسمح لقسوتها أن تنتزع منك إنسانيتك.
ولا تنسَ أن الأشجار العميقة الجذور لا تستمد قوتها من هدوء الطقس، بل من امتداد جذورها في أعماق الأرض. وكذلك الإنسان؛ كلما عرف نفسه، وتمسَّك بمبادئه، وأحسن التوكل على الله، أصبح أكثر قدرة على مواجهة تقلُّبات الحياة.
ولعل أجمل ما نتعلمه من العواصف أن السماء لا تظل ملبدة بالغيوم إلى الأبد، وأن الليل، مهما طال، ليس دليلًا على غياب النهار.
فلا تفزع إذا هبَّت عاصفتك، ولا تتعجل الحكم على حياتك وأنت في قلبها، ولا تتخذ قراراتك الكبرى وأنت مثقل بالخوف والألم. ابحث عن مأمنك، واستعن بالله، واستجمع قوتك، وانتظر حتى تتضح الرؤية.
فأنت لست مطالبًا بأن تهزم كل عاصفة، بل أن تنجو منها دون أن تهزمك من الداخل.
وفي النهاية، تذكَّر أن الحياة لا تمنحنا دائمًا رفاهية اختيار الطقس الذي نسير فيه، لكنها تترك لنا مساحة لاختيار الطريقة التي نواجهه بها.
فإذا هبَّت عاصفتك غدًا، فلا تسأل فقط: لماذا حدث هذا لي؟
بل اسأل نفسك أيضًا: ماذا يمكنني أن أتعلم؟ وكيف أحمي ما تبقى؟ وما الطريق الذي ينبغي أن أسلكه بعد أن تهدأ الرياح؟
فربما لا تكون العاصفة نهاية الطريق، بل اللحظة التي تكتشف فيها الطريق الذي كان ينبغي أن تسلكه منذ البداية.
دكتورة لبنى يونس







