النعم والإبتلاء
بقلم / محمـــد الدكـــروري
بسم الله الحرمن الرحيم ولي المتقين والمؤمنين، ولقد ذكر العلماء أن ولاية الله تعالى على نوعين، فالأول هو ولاية عامة بمعنى تدبيره وتصريفه لجميع الكائنات، وقيامه بأمورهم وشؤونهم، فهو سبحانه خالقهم ورازقهم ومالكهم، وهذه الولاية تشمل المؤمن والكافر والبر والفاجر، حيث قال تعالى في سورة الأنعام ” ثم ردوا إلي الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين” وأما الولاية المنفية في قوله تعالى كما جاء في سورة محمد ” ذلك بأن الله مولي الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولي لهم” فهي ليست الولاية بالمعنى العام، بل هذه هي الولاية الخاصة، وهي النوع الثاني، لذلك يمتنع شرعا أن يقال الله ولي الكافرين، لأن هذا الإطلاق ينصرف إلى الولاية بالمعنى الخاص.
وأما النوع الثاني وهو ولاية خاصة، أي بمعنى النصر والمحبة والتأييد والحفظ والتوفيق والهداية، وهذه الولاية خاصة بعباده المؤمنين وأوليائه الصالحين، حيث قال تعالى في سورة البقرة ” الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلي النور ” وكما قال تعالي في سورة آل عمران ” بل الله مولاهم وهو خير الناصرين ” وأما عن مقتضى اسمي الله الولي المولى وأثرهما، فإنه يقتضي هذان الاسمان استشعار ولاية الله تعالى للكون ولسائر المخلوقات، فهو المدبر والمتصرف والقائم بشؤونهم جميعا ولا قيام لأحد في هذا الكون إلا بولايته سبحانه وتعالى، إضافة إلى أن المؤمن يستشعر ولاية خاصة من الله تعالى جزاء إيمانه به وطاعته له عز وجل، وكما يقتضي هذان الاسمان موالاة الله تعالى.
بمعنى محبته والاعتزاز به ونصرة شريعته، وينبني على ذلك موالاة أوليائه الصالحين ومعاداة الكافرين وأعداء الدين، كما قال تعالى في سورة المائدة ” إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ” وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلم الصحابة ويربيهم على مقتضى هذين الاسمين، من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة يوم غزوة أحد حينما قال لهم أبو سفيان ألا لنا العُزّى ولا عُزّى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أجيبوه” قالوا ما نقول؟ قال ” قولوا الله مولانا ولا مولى لكم” وإن مما يخفى على كثير من الناس أن النعم ابتلاء، فيظنونها تكريما من الله لهم، لا اختبارا لشكرهم، فيسيئون استخدامها، ويغترون بها، ولا يبالون إن كان ذلك يسخط الرب أم لا.
فيفسدون ولا يصلحون، وعلى الله يستعلون، وبالله ونعمه يجحدون، وبآلائه يكذبون، ومن هنا يستثمر العبد هذا الابتلاء بالتوبة والرجوع إلى الله، وترك الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات والعبادات، وهكذا قيل أيضا أن الولاية لله تعالي ليست حكرا على أحد، ولا تنال بالوراثة، بل هي رتبة ربانية، تبدأ بالقلب محبة وتعظيما لله عز وجل، وتترجم إلى واقع عملي، فيكسب صاحبها حب الله تعالى وولايته، وليس من شرط الولاية لله تعالى أن يكون للولي كرامة بخرق العادات فإن أعظم الكرامة هي الاستقامة، فإذا أردت أن تكون من أولياء الله، فادخل على الله تعالى بالافتقار إليه وحده، ومتذللا إليه، ومتبرئا من حولك وقوتك، ومعرضا عن كل ما سوى الله، وعالما أن كل عبادة إن لم تكن في كتاب الله وسنة رسوله فلن تصلك بالله، حيث قال تعالى ” إياك نعبد وإياك نستعين”







