القلب المبتهج يقتل ميكروبات البغضاء
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلم أخي الكريم أن هناك نعمتان خفيتان وهما الصحة في البدن والأمن، في الأوطان، ونعمتان ظاهرتان وهما الثناء الحسن والذرية الصالحة، وأن القلب المبتهج يقتل ميكروبات البغضاء، والنفس الراضية تطارد حشرات الكراهية، وأن الأمن أمهد وطاء، والعافية أسبغ غطاء والعلم ألذ غذاء.
والحب أنفع دواء والستر أحسن كساء، وان السعادة لا يكون فاسقا ولا مريضا ولا مدينا ولا غريبا ولا حزينا ولا سجينا ولا مكروها، وأن السعادة هي انجلاء الغمرات وإزالة العداوات والعمل الصالحات والإنتصار على الشهوات، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التكبر شر من الشرك، فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله تعالى، والمشرك يعبد الله وغيره، والكبر ياعباد الله رفض الحق ودفعه وعدم الإلتزام به بعض الناس تشتاق نفسه إلى الهداية، لكنه يمنعه الكبر من إتباع شعائر الدين، نعم يتكبر عن تقصير ثوبه فوق الكعبين وإعفاء لحيته ومخالفة المشركين فجمال مظهره أعظم عنده من طاعة ربه، وبعض النساء كذلك لا تزال تتساهل بأمر الحجاب حرصا على تكميل زينتها وحسن بزتها أو تعصي ربها بنتف حاجبها.
أو تضييق لباسها وإذا نصحت إستكبرت وطغت، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فكيف إذا كان هذا الكبر مانعا من الهداية، فقيل أنه كان جبلة بن الأيهم ملكا من ملوك غسان ودخل إلى قلبه الإيمان، فأسلم ثم كتب إلى الخليفة عمر رضي الله عنه يستأذنه في القدوم عليه، فسرّ عمر رضي الله عنه والمسلمون لذلك سرورا عظيما، وكتب إليه عمر رضي الله عنه أن اقدم إلينا ولك مالنا وعليك ما علينا، فأقبل جبلة في خمسمائة فارس من قومه، فلما دنا من المدينة لبس ثيابا منسوجة بالذهب ووضع على رأسه تاجا مرصعا بالجوهر، وألبس جنوده ثيابا فاخرة، ثم دخل المدينة فلم يبقي أحد إلا خرج ينظر إليه حتى النساء والصبيان، فلما دخل على عمر رضي الله عنه رحب به وأدنى مجلسه.
فلما دخل موسم الحج، حج عمر وخرج معه جبلة، فبينا هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل فقير من بني فزارة، فالتفت إليه جبلة مغضبا فلطمه فهشم أنفه، فغضب الفزاري وغشتكاه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فبعث إليه فقال ما دعاك يا جبلة إلى أن لطمت أخاك في الطواف فهشمت أنفه، فقال إنه وطئ إزاري ؟ ولولا حرمة البيت لضربت عنقه، فقال له عمر رضي الله عنه أما الآن فقد أقررت فإما أن ترضيه وإلا اقتص منك ولطمك على وجهك، قال يقتص مني وأنا ملك وهو سوقة، قال عمر رضي الله عنه يا جبلة إن الإسلام قد ساوى بينك وبينه فما تفضله بشيء إلا بالتقوى، قال جبلة إذن أتنصر، قال عمر رضي الله عنه من بدل دينه فاقتلوه، فإن تنصرت ضربت عنقك، فقال أخّرني إلى غد يا أمير المؤمنين.
قال لك ذلك فلما كان الليل خرج جبلة وأصحابه من مكة وسار إلى القسطنطينية فتنصّر، فلما مضى عليه زمان هناك، ذهبت اللذات وبقيت الحسرات فتذكر أيام إسلامه ولذة صلاته وصيامه، فندم على ترك الدين والشرك برب العالمين فجعل يبكي ويقول تنصرت الأشراف من عار لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر، تكنفني منها لجاج ونخوة وبعت لها العين الصحيحة بالعور، فياليت أمي لم تلدني وليتني رجعت إلى القول الذي قال لي عمر، وياليتني أرعى المخاض بقفرة وكنت أسير في ربيعة أو مضر، وياليت لي بالشام أدنى معيشة أجالس قومي ذاهب السمع والبصر، ثم ما زال على نصرانيته حتى مات، فمات على الكفر لأنه تكبر عن الذلة لشرع رب العالمين، فنسأل الله السلامة والعافية.







