العدالة الغائبة بين نصوص القانون وواقع الأسرة: قراءة تحليلية في القانون رقم 73 لسنة 2021
بقلم: شريف السبع
باحث في الشؤون العمالية
تخبو الأضواء داخل بيوتٍ كانت، إلى عهدٍ قريب، تقتاتُ على الكفاف وتستترُ بخيطٍ رقيق من الأمان الوظيفي، ليحلّ بدلاً منه ظلامٌ دامس وذهولٌ صامت. في تلك البيوت، لا يُقاس أثرُ “قرار الفصل” بصفحات الورق الرسمية ولا بالأختام الإدارية الصارمة، بل يُقاس بدمعة طفلٍ يُفاجأ بانقطاع دواء أخته، أو بقلة حيلةِ أمٍّ تقف عاجزةً أمام بائع خضار لم تعد تملك في جيبها سداد دَينه. ليس القرار الصادر بموجب القانون رقم 73 لسنة 2021 مجرد إجراء تنظيميّ يطال موظفاً أخطأ أو مرض، بل هو زلزالٌ مكتوم يقتلع سقف البيت فوق رؤوس الأبرياء، ليتجاوز الفرد إلى عائلةٍ بكاملها، ويُسقط عنها فجأةً حق الحياة وحرمة الستر، مُلقياً بها في مهبّ الفقر والهشاشة بلا حماية أو سند.
أولاً: لغة الأرقام وتهافت المفهوم التأهيلي
تُظهر البيانات والإحصاءات الرسمية الصادرة عن صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي النطاق الكاسح لتطبيق هذا التشريع؛ إذ خضع للفحص المفاجئ أكثر من 1.8 مليون موظف بالجهاز الإداري للدولة والهيئات الاقتصادية والخدمية منذ دخول القانون حيز التنفيذ. ورغم أن التقارير الرسمية تُبرز تراجع نسبة إيجابية العينات من نحو 8% (في حملات الفحص التجريبية الأولى) إلى أقل من 0.5%، إلا أن هذه النسبة المئوية الضئيلة تُترجم عملياً إلى آلاف العمال والموظفين الذين واجهوا قراراً إدارياً باتاً بإنهاء الخدمة والفصل النهائي.
تكمن الإشكالية الجوهرية هنا في التخلّي الكامل عن المفهوم التأهيلي والعلاجي. فبينما تُجمع الأدبيات الصحية والعمالية الدولية — وفي مقدمتها معايير منظمة العمل الدولية — على تصنيف الإدمان باعتباره “مرضاً يستوجب العلاج والرعاية”، اختار القانون 73 منهجية العقاب المباشر والفصل الوجوبي. إن معاملة المريض كمجرم مسلكي يُطرد فوراً من عمله لا تُعالج الظاهرة داخل المجتمع، بل تفاقمها عبر طرد المتعاطي إلى قاع قطاع العمل غير المنتظم وتجريده من أدوات التعافي.
ثانياً: الاختلال التشريعي وإهدار الضمانات الدستورية
يفتح التشريع باباً واسعاً للمثالب القانونية التي تُخل بالنسق التشريعي المستقر:
النزع الضمني لسلطة القضاء التأديبي: سلب القانون السلطة التقديرية للمحاكم التأديبية بمجلس الدولة في “تفريد العقوبة” ومراعاة الظروف المخففة والتاريخ الوظيفي للعامل؛ حيث أصبح قرار إنهاء الخدمة نتيجة آلية لتقرير كيميائي مجرد، واقتصرت الرقابة القضائية اللاحقة على الجوانب الإجرائية الشكلية بعد أن يكون الضرر الوظيفي والاجتماعي قد وقع بالفعل.
إسقاط ركن الضرر والقصور الميداني: يتعارض هذا النهج مع القواعد العمالية الأصلية التي كانت تشترط لإنهاء الخدمة وجود العامل في حالة “سكر بيّن أو تأثر ظاهر أثناء ساعات العمل”. إن الاعتماد المجرد على وجود نواتج الأيض في العينات — والتي قد تستمر لأسابيع في الجسد دون أن تؤثر على الأداء المهني — يُعد معاقبة على سلوك خاضع للمساحة الشخصية للعامل خارج مقر وزمن العمل.
مخاطر التداخلات الطبية: تفتقر آليات سحب العينات المفاجئة لضمانات كافية تُفرق بين التعاطي بغرض الإدمان، وبين تناقضات العقاقير الطبية والمسكنات المشروعة التي يتناولها العاملون لعلاج أمراض مزمنة أو إصابات عمل، مما يضع العامل في موقف المدافع عن براءته بعد صدور قرار الفصل.
ثالثاً: الأثر المتعدي للعقوبة.. التفكيك الاجتماعي للأسرة
ينص المبدأ الدستوري الأصيل على أن “العقوبة شخصية”، فلا يجوز أن تمتد آثارها إلى غير الجاني. غير أن الفصل الفوري والوجوبي يخرق هذا المبدأ بشكل مباشر؛ إذ يتسبب القرار الإداري في قطع مفاجئ لمصدر دخل الأسرة الوحيد، وإلغاء التغطية التأمينية والصحية لجميع أفرادها.
وبحسب متوسط حجم الأسرة المصرية (حوالي 4 أفراد)، فإن فصل آلاف الموظفين يعني إزاحة عشرات الآلاف من المواطنين (أطفال وزوجات) نحو خط الفقر والهشاشة الاقتصادية والصحية. يكتمل هذا الحصار بـ “الوصمة الاجتماعية” التي تلاحق الموظف المفصول وتمنعه من الالتحاق بالقطاع الخاص الرسمي، ليتحول القرار الإداري عملياً إلى “إعدام مدني” يطال بنية الأسرة بكاملها.
رابعاً: تقليص العمالة تحت مظلة الانضباط
لا يمكن فصل هذا التوجه التشريعي الصارم عن السياق الاقتصادي الكلي والضغوط الهيكلية لضبط حجم الجهاز الإداري للدولة، الذي يضم نحو 4 ملايين عامل وفق أحدث بيانات الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة والمالية العامة.
لقد أوجدت آليات الفحص المفاجئ والإنهاء الفوري مساراً سريعاً وغير مكلف إدارياً لتخفيض أعداد العاملين وتقليص فاتورة الأجور والأعباء التأمينية للدولة، دون الحاجة لتحمل أعباء التعويضات أو الدخول في إجراءات التقاضي التأديبي الطويلة، لكن ذلك جاء على حساب الاستقرار الوظيفي والسلم الاجتماعي.
إن صيانة المرافق العامة وحماية أرواح الناس أهدافٌ نبيلة لا يختلف عليها اثنان، لكن المرارة الكبرى تكمن في أن تُبنى تلك “السلامة” على أنقاض أسرٍ تُسحق في الصمت، وتُترك لمصيرها في قاع المجتمع. إن النص الذي يعاقب المرض بقطع العيش، ويستعيض عن العلاج بالتشريد، ينزع عن الوظيفة معناها الإنساني، ويترك خلفه ندوباً جائرة في قلوب أبناءٍ يفتحون أعينهم على دنيا تلاحقهم فيها “وصمة” لم يرتكبوها، وحرمانٌ لم يختاروه. ستبقى هذه القرارات الصارمة ملساء على الأوراق الإدارية، لكنها ستظل في قاع البيوت غصةً حارقة، وشهادة مرّة على زمنٍ يسهل فيه الاستغناء عن الإنسان، ويُصبح فيه العيش الكفاف حلمًا بعيد المنال لأسرٍ لم يكن جرمها سوى أن عائلها عُوقب ببترٍ يُشبه الإعدام البطيء.
العدالة الغائبة بين نصوص القانون وواقع الأسرة: قراءة تحليلية في القانون رقم 73 لسنة 2021
العدالة الغائبة بين نصوص القانون وواقع الأسرة: قراءة تحليلية في القانون رقم 73 لسنة 2021







