السعودية والبرنامج النووى المدنى بين الحسابات الاستراتيجية والهواجس الإقليمية
تحليل: أيمن بحر
يشهد ملف البرنامج النووى المدنى السعودى اهتماما إقليميا ودوليا متزايدا باعتباره أحد أكثر الملفات تأثيرا
فى مستقبل التوازنات بالشرق الأوسط إذ لا يتعلق الأمر بمشروع لإنتاج الكهرباء فقط بقدر ما يرتبط بحسابات
الأمن والطاقة والسياسة والنفوذ بين القوى الكبرى
وتسعى المملكة منذ سنوات إلى امتلاك برنامج نووي
مدني ضمن خططها لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط مع تأكيدها أن تطوير هذا البرنامج حق سيادى
تكفله القوانين الدولية لكل دولة تلتزم بالمعايير والرقابة التى تضعها الوكالة الدولية للطاقة الذرية
وخلال الفترة الأخيرة عاد الملف إلى الواجهة مع تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن تقدم فى المباحثات بين
واشنطن والرياض بشأن اتفاق للتعاون النووي المدني وهو ما أثار نقاشا واسعا داخل إسرائيل التي تنظر إلى أي
توسع في القدرات النووية لدول المنطقة باعتباره تطورا استراتيجيا يستحق المتابعة
ويتمحور الجدل حول قضية تخصيب اليورانيوم إذ ترى السعودية أن الاحتفاظ بهذا الحق يمثل جزءا من سيادتها
بينما تعتبره إسرائيل نقطة تحول قد تمنح أي دولة في المستقبل قاعدة تقنية يمكن البناء عليها إذا تغيرت
الظروف السياسية وهو ما يدفعها إلى المطالبة بضمانات ورقابة مشددة
وفي المقابل تؤكد المملكة أن هدفها يظل سلميا ويتمثل في إنتاج الطاقة الكهربائية وتوفير احتياجات
المشروعات الصناعية والتكنولوجية المستقبلية بما يتماشى مع خطط التنمية الوطنية ورؤية المملكة الاقتصادية
كما يعكس هذا الملف جانبا آخر من المنافسة الدولية على النفوذ في الشرق الأوسط حيث تدرك الولايات المتحدة
أن السعودية تمتلك خيارات متعددة للتعاون مع قوى دولية أخرى مثل روسيا أو الصين إذا لم تجد شريكا يلبي
متطلباتها وهو ما يجعل التعاون النووي أيضا جزءا من المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى وليس مجرد مشروع للطاقة
ومن هنا يمكن فهم حرص واشنطن على استمرار المفاوضات مع الرياض باعتبار أن الحفاظ على الشراكة
الاستراتيجية مع المملكة يمثل أولوية في ظل التحولات الدولية المتسارعة
وفي الوقت نفسه يبقى مستقبل أي اتفاق مرتبطا بمسار المفاوضات والتفاهمات السياسية والفنية وبالالتزامات
الدولية الخاصة بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية إذ إن أي اتفاق من هذا النوع يحتاج إلى إجراءات قانونية
ورقابية قبل دخوله حيز التنفيذ
ويبقى المؤكد أن البرنامج النووي المدني السعودي أصبح أحد أبرز الملفات التي ستؤثر في شكل التوازنات
الإقليمية خلال السنوات المقبلة سواء من زاوية أمن الطاقة أو المنافسة الاستراتيجية أو طبيعة العلاقات بين
دول المنطقة والقوى الدولية الكبرى وهو ما يجعل هذا الملف مرشحا للبقاء في صدارة المشهد السياسي لفترة طويلة.







