الإذن والمشيئة الإلهية
دراسة فلسفية مقاصدية
لبيان المشيئة الإنسانية.
السيد فريج
.. إلّا بإذن الله ..
.. إلّا ما شاء الله ..
في البناء القرآني، لا تأتي الألفاظ بلا قصد، بل تتكامل لتكشف عن نظام معرفي دقيق يرسم العلاقة بين الإذن والمشيئة الإلهية وفاعلية الإنسان في الكون.
من أكثر المفاهيم دقةً في هذا السياق: الإذن والمشيئة.
الإذن والمشيئة.. تكامل لا تكرار:
الإذن الإلهي هو السماحية بالنفاذ من السنن الكونية، أي أن يُفتح للإنسان باب الفعل في نطاق القوانين الإلهية.
أما المشيئة الإلهية فهي النظام الحاكم لحركة الأسباب والنتائج داخل هذا الباب المفتوح.
فالإذن عبورٌ، والمشيئة قانونٌ لما بعد العبور.
وعي الإنسان لا قيد المشيئة:
هذان المفهومان لا يشكلان قيدًا على مشيئة الإنسان، بل إطارًا للفهم ومسؤولية الوعي.
فالإنسان هو من يحدد مشيئته؛ يختار، ويقرر، ويتصرف.
غير أن وعيه بالسنن الكونية يرشده إلى معرفة ما إذا كان مأذونًا له بالفعل أم متجاوزًا للنظام.
فالإذن والمشيئة ليسا معايير غيبية غامضة، بل قيمًا موضوعية واقعية تتجلى في حركة الإنسان الواعية داخل الكون.
الحرية داخل النظام:
الإنسان لا يستطيع أن يضبط السنن لتخضع لمشيئته، لكنه قادر أن يضبط مشيئته لتتوافق مع السنن.
فهو حرّ فيما يشاء، لكن حريته فاعلة فقط حين تسير في اتجاه النظام الكوني لا ضده.
فمن شاء الطيران بلا أداة، سقط لأن فعله خالف السنن ولم يُمنح الإذن الإلهي بذلك.
ومن استخدم العلم والتقنية ليحلّق، فقد شاء في إطار الإذن، وسارت مشيئته متوافقة مع إذن الله، في انسجام مع مشيئته التي سنَّت قوانين الرفع والجاذبية.
الحرية في نظام المشيئة:
الحرية في نظام المشيئة وعيٌ لا تمرّد.
فالمشيئة الإلهية ليست نفيًا لمشيئة الإنسان، بل هي ميزانها ومجالها.
مشيئة الإنسان هي مساحة الحرية التي مُنحت له داخل النظام الإلهي الدقيق ليمارس اختياره في ضوء الوعي لا في ظلمة التمرد.
الإنسان فاعلٌ حرّ، لكنه ليس خالقًا للنتائج خارج السنن.
فهو يشاء، ويجتهد، ويتفاعل، ويستطيع أن يضبط مشيئته ليتناغم مع النواميس التي أودعها الله في الكون.
أما السنن نفسها فلا تنضبط بمشيئة الإنسان ورغبته، بل بمشيئة من خلقها وأحكمها.
حرية منضبطة بالوعي:
وهنا تبلغ الحرية معناها الأسمى:
أن تكون المشيئة الإنسانية فعلاً منضبطًا بالوعي لا بالرغبة،
وسيرًا في طريق النظام لا اصطدامًا به.
فالحرية في نظام المشيئة ليست خضوعًا، بل فهمًا لسنن الله وعملًا بمقتضاها.
ولله المثل الأعلى وللتقريب يمكن أن نقول:
إذا أقامت الدولة مؤتمرًا علميًا، فلن يُسمح بالدخول فيه إلا لمن أُذن له (الإذن)
فإذا أُذن له، صار حرًّا في أن يفعل ما يشاء (المشيئة الفردية)
في حدود النظام المقرر للمؤتمر (النظام العام)
فالإذن تحكمه السنن الكونية، والمشيئة يحكمها النظام الكوني العام لحركة السنن الكونية.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾
إذنُ الله هنا انتقالٌ من (سنة الحياة) إلى (سنة الموت) عند توافر أسبابه،
فلن يستطيع الإنسان أن يموت إلا بإذن الله، حتى لو أطلق الرصاص على نفسه؛ فالله هو من وضع السبب وأذن بنفاذه.
وقال تعالى:
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
لك أن تشاء كيفما شئت، فهذا قرارك،
لكن لن تنفذ مشيئتك إلا في إطار مشيئة الله.
فليست مشيئة الله بديلًا عن اختيار الإنسان، ولا اختيار الإنسان خارجًا عن مشيئة الله، بل هما مستويان: أحدهما للفعل، والآخر لإمكان الفعل.
فإن شئت السفر إلى أمريكا، فلن تمنع مشيئةُ الله سقوطَ الطائرة إن تصادمت حركتها بنظام الكون.
فالوعي بالمشيئة هو جوهر الحرية،
والإذن الإلهي هو طريق الفعل المشروع في نظام الله.
وكلما علم الإنسان وأدرك قدر الله في إذنه ومشيئته،
كان مجال حريته واختياراته أوسع،
ومشيئته الإنسانية أنضج وأعمق فهمًا لسنن الله في الوجود.
والله أعلى وأعلم..
السيد فريج
عدد المشاهدات: 8


