وثنية الفكر وصنمية الرمز
السيد فريج / شعاع نيوز
في كل عصر، لا يتوقف الإنسان عن صناعة “الرمز”، ثم لا يلبث أن يُلقي عليه ظلالًا من القداسة، حتى يتحول الرمز إلى صنم، والفكرة إلى وثن.
قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ العنكبوت.
يصنعون الكذب، ويُطوّعونه، ثم يزيّنونه ويبيعونه باسم الحقيقة. لا يصنعون التماثيل فقط، بل يصنعون أفكارًا جامدة، ومفاهيم مصمتة، خطوطًا حمراء من وهمٍ مقدّس.
ويُخضع الإنسان نفسه لهذا “الأفك المصنوع” حتى يغدو له دينًا، ويتحول ما هو اجتهادي إلى قطعي، وما هو بشري إلى مقدّس، وما هو عرضة للنقاش إلى محرّم المساس.
قال تعالى:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾
يوسف
إيمان معلَّق بالله، لكنه مشوب بالانقياد لما دونه.
شرك لا في العبادة الظاهرة، بل في الولاء الباطني لفكرة أو رمز أو جماعة تُقدَّم فوق كل مساءلة.
إن الوثن اليوم لا يُصنع من حجر ولا من نجمٍ أو بقر، بل من كلمةٍ تتكرر حتى تصير يقينًا زائفًا، أو شعارًا يُرفع حتى يطغى على النص المقدس ذاته.
وكم من عقلٍ عُلّق على مشجب التاريخ، وكم من روح حوصرت داخل سجن الفتوى، وكم من قلب ظن أنه يعبد الله، لكنه كان يسجد لظل بشر، أو رسم لمذهب، أو حدود لجماعة.
قال تعالى:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} التوبة
يُستهزأ بالله حين تُقدَّم الراية على الغاية، والرواية على الآية، ويُترك الوحي لصالح من يزعم تمثيله حتى قيل أنه لا يمثل ربع الدين.
هل يُستهزأ بالآيات حين نُقصيها لأن تفسير الأوائل لا يقبل التجاوز؟
هل نؤمن بحديث الله، أم بأي حديثٍ بعده يؤمنون؟
ولنعلن أن التوحيد ليس فقط إعلانًا عن إلهٍ واحد، بل هو رفضٌ عميق لأي ثباتٍ غيره، لأي سلطةٍ غير وحيه، لأي رمزٍ نصنع.
هو أن تقول: لا إله إلا الله، ثم تخلع قلبك من كل صنم خفي، مهما كان اسمه جميلًا، أو لباسه شرعيًا، أو لحيته طويلة أو ايدلوجيته براقه. فكل فكر جامد لا يتغير هالك، وكل رمز ثابت تالف، فالله وحده هو الصمد الثابت غير القابل للتغيير، فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا { قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ * وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ }
ثم استقم.
عدد المشاهدات: 4


