صمت الشكاوى: عندما يتحول القانون إلى رفاهية غير محسوبة العواقب
بقلم: شريف السبع
ليس صمت العمال أمام انتهاك حقوقهم الإدارية والمالية نوعاً من الرضا الضمني، ولا هو جهل بالقواعد الحاكمة لعلاقات العمل، بل هو حصيلة حسابات عقلانية شديدة القسوة؛ تجري داخل الوعي الجمعي للشغيلة بين “كلفة الشكوى” و”جدوى النتيجة”. في الواقع الميداني، لم تعد مكاتب العمل تُقرأ في أذهان أبناء المصانع والورش والمنشآت الخدمية بوصفها ملاذاً إدارياً يسترد الحقوق، بل باعتبارها نقطة انطلاق لمسار محفوف بالمخاطر المهنية والمعيشية، تتجاوز الخسائر الناجمة عنه بكثير أصل الحق المراد استرداده.
تنطلق هذه الإشكالية أولاً من الفجوة الهيكلية بين النص التشريعي وآليات التنفيذ. فبالرغم من صدور قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، وما حمله من ضوابط مشددة تستهدف تنظيم إنهاء الخدمة واشتراط اعتماد الاستقالة أمام الجهة الإدارية المختصة للتحقق من طوعيتها، إلا أن الممارسة الواقعية داخل قطاعات واسعة من أصحاب الأعمال لا تزال تستولد أدوات تعاطيها الخاصة. يتجلى ذلك في ظاهرة الإجبار المسبق على توقيع الاستقالات غير المؤرخة عند استلام العمل، مما يحول نص القانون الحامي إلى مجرد حبر على ورق، ويفرغ محاولات إثبات الفصل التعسفي أمام مكاتب العمل من سندها الإثباتي.
يتضاعف هذا المأزق مع اتساع رقعة العمالة غير المنتظمة، والتي تشير المسوح الرسمية إلى أنها تتجاوز نصف قوة العمل الإجمالية، إلى جانب غياب العقود المكتوبة والغطاء التأميني لأكثر من خمسة وخمسين بالمئة من العاملين بأجر في القطاع الخاص. يضع هذا وضع الشاكي في مركز قانوني شديد الهشاشة؛ حيث تتطلب الشكوى تقديم وثائق ومستندات يمتلك الاحتكار الكامل لها صاحب العمل نفسه، فتتحول مطالبات العامل أمام مفتش العمل إلى ادعاءات شفهية تفتقر للتدليل المادي.
من جانب آخر، يصطدم العامل بالحدود الإجرائية لمنظومة العمل نفسها. يتحدد الدور الأساسي لمكاتب العمل في أطر التوفيق والوساطة الودية، دون امتلاك سلطة إدارية قاطعة بإلزام المنشأة أو إعادة العامل فوراً إلى موقعه. وفور تعثر التسوية الإدارية — وهو المصير الغالب للنزاعات — ترحّل الأزمة إلى المحاكم العمالية، ليبدأ العامل رحلة تقاضٍ مجهدة تمتد بين عام ونصف إلى ثلاثة أعوام. بالنسبة لعامل يعتمد على أجره اليومي أو الشهري لتأمين القوت الأساسي لأسرته، فإن استنزاف الوقت والمال في التنقل وسداد رسوم الاستشارات القانونية يمثل كلفة لا يستطيع تحملها، ناهيك عن تآكل القيمة الفعلية لأي تعويض مؤجل بفعل التضخم وتغير الظروف الاقتصادية.
ولا تقف العوائق عند حدود الإجراءات والوثائق، بل تمتد إلى البيئة التنظيمية لسوق العمل. يدرك العمال وجود آليات غير رسمية للحظر والاستبعاد تتداولها إدارات الموارد البشرية في المجمعات والمناطق الصناعية، حيث يُترجم تقديم الشكوى إلى “وصمة سلوكية” تُدرج صاحبها ضمن قوائم سوداء غير مكتوبة، مما يعني حرمان العامل الشاكي من فرصة الالتحاق بأي منشأة أخرى داخل ذات القطاع. يرافق ذلك اختلال بنيوي في ميزان القوى؛ حيث تستند المنشآت إلى مستشارين قانونيين متفرغين وغطاء إداري متين، مقابل عامل أعزل يفتقر للمعرفة التشريعية، ويواجه أشكالاً مختلفة من الانتقام الداخلي المباشر، كالتحويل التعسفي لورديات مجهدة، أو إعادة التسكين في مهام أدنى، بهدف دفع العمال للانسحاب والتنازل.
إن العجز الهيكلي في أعداد كادر التفتيش الميداني والسلامة والصحة المهنية — والذي يجعل المفتش الواحد مسؤولاً عن متابعة آلاف المنشآت — يكرس الانطباع العام بغياب الرقابة الدورية المباشرة، واقتصار التدخل الإداري على ردود الأفعال اللاحقة لوقوع النزاع.
إن معالجة “صمت الشكاوى” لا تتطلب فقط إصدار القوانين، بل تستوجب بناء منظومة حماية إجرائية متكاملة تُؤمّن الشاكي من الانتقام والاستبعاد، وت منح مكاتب العمل آليات تنفيذية ناجزة، ليتوقف صمت العمال عن كونه الخيار الوحيد المتاح للبقاء.






