وفاة المؤرخ الإمام محمد الشوكاني
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية الإسلامية الكثير عن الإمام الشوكاني، وهو الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني رحمه الله تعالى، الملقب ببدر الدين الشوكاني، وكان من تلاميذة هو محمد بن أحمد السودي، وقد لازم الإمام الشوكاني من بداية طلبه للعلم، حتى مدحه الشوكاني بقوله أعز المعالي أنت للدهر زينة وأنت على رغم الحواسد ماجده، وأيضا محمد بن أحمد مشحم الصعدي الصنعاني، وتولى القضاء في صنعاء وغيرها، وأثنى عليه الشوكاني كثيرا، وأيضا أحمد بن علي بن محسن، وهو ابن الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم، واشتغل بطلب العلم، بعد أن قارب الخمسين، ولازم الإمام الشوكاني نحو عشر سنين وأيضا محمد بن محمد بن هاشم بن يحيى الشامي، ثم الصنعاني.
وأيضا عبد الرحمن بن أحمد البهكلي الضمدي الصبيائي، وتلقى على الشوكاني وغيره، ولكنه كان من أوفى تلاميذ الشوكاني ومن الملازمين له، وأيضا أحمد بن عبد الله الضمدي، وأخذ عن الإمام الشوكاني وغيره، ولكن صلته بالشوكاني كانت أكثر، حتى صار المرجع إليه في التدريس والإفتاء في ضمد وما حولها، وله أسئلة عديدة إلى شيخه الشوكاني أجاب له عنها في رسالة سماها العقد المنضد في جيد مسائل علامة ضمد، وأيضا علي بن أحمد بن هاجر الصنعاني، وتبحر في العلوم النقلية والعقلية، درس على الشوكاني علم المنطق وغيره، وقال عنه الشوكاني بالنسبة لعلم المنطق هو يفهمه فهما بديعا، ويتقنه إتقانا عجيبا، قل أن يوجد نظيره مع صلابة الدين.
وكان الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى مبرزا في علوم كثيرة، سيما علوم السنة والتفسير والفقه فروعه وأصوله، مؤرخ، له شعر حسن، وقد كرس حياته في سبيل الدفاع عن هذا الدين، وإزالة ما علق به من شوائب التقليد، والتعصب، والجمود وغيرها، وتصدر الشوكاني للتدريس في جامع صنعاء، وأقبل عليه طلبة العلم من كل مكان ينهلون من معارفه الواسعة، وفيهم من كان من شيوخه، وتولى رحمه الله تعالى القضاء الأكبر للإمام المنصور في شهر رجب سنة ألف ومائتان وتسعة من الهجرة، خلفا للقاضي يحيى بن صالح السحولي على غير رغبة منه، ثم تولى لابنه المتوكل أحمد، فابنه المهدي عبد الله، ويقول الشوكاني عن نفسه “وابتلى بالقضاء في مدينة صنعاء بعد موت من كان متوليا للقضاء.
وكان دخوله في القضاء وهو ما بين الثلاثين والأربعين” وكان جريئا في قول الحق، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، لا يخشى في الله لومة لائم، وأنكر على الهادوية اعتمادهم أقوال أئمتهم وجمودهم على التقليد، فكتب كتابه “القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد” كما قام الشوكاني بالدعوة إلى الإصلاح وجوانب ذلك دعوته إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، ودعوته إلى العقيدة السلفية، وتطهير العقيدة وتنقيتها من مظاهر الشرك، ولقد ذهب الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى إلى أن ترك الاجتهاد من القادر عليه كفر وشرك، لأنه تعطيل لكتاب الله تعالى وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإحلال لقول صاحب المذهب محلهما والإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في هذا يعبّر عن الروح الاجتهادية لدى الأئمة السابقين.
وإن كان قد تشدد في الحكم على المقلد القادر على الاجتهاد بالشرك فمثلا، نرى الإمام الغزالي يوجب الاجتهاد على القادرين عليه دون أن يُدينه بالشرك أو الكفر، إذا أصرّ على التقليد، لأن الذي وصل إلى درجة الاجتهاد غير عاجز، فلا يكون في معنى العاجز، فينبغي أن يطلب الحق بنفسه، فإنه يجوز الخطأ على العالِم بوضع الاجتهاد في غير محله، كما أنه يجوز على المجتهد أيضا الذي نقلده أن يبادر بالحكم قبل استتمام الاجتهاد، والغفلة عن دليل قاطع، والعالم المقلد قادر على معرفة ما يعرفه إمامه الذي يقلده، ومن الممكن أن يتوصل بنفسه إلى ما يريده، إما إلى درجة اليقين، وإما إلى الظن، فكيف يبني الأمر على عماية كالعميان، وهو بصير بنفسه؟
ويحمل على هؤلاء المقلدين الذين يبلغ بهم التعصب لإمامهم أن يعتقدوا فيه العصمة عن الخطأ في الأحكام، مع أن المجتهدين أنفسهم لا يدعون العصمة أو يعدون الحق وقفا عليهم، وتوفي الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى ليلة الأربعاء السابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ألف ومائتان وخمسين من الهجرة، وقيل وخمس وخمسين، وهو الموافق ألف وثماني مائة وأربع وثلاثين ميلادي، بصنعاء، عن عمر ست وسبعين سنة وسبعة أشهر، وصُلي عليه بالجامع الكبير بصنعاء رحمه الله تعالى، وتم دفنه بمقبرة خزيمة المشهورة بصنعاء، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجزاه عنا كل خير.







