مصر تختار الاستقرار فى زمن الحروب
بقلم :أيمن بحر
فى عالم تموج فيه المنطقة بالصراعات والتوترات وتتعرض فيه سلاسل الإمداد العالمية لاختبارات صعبة تبرز أهمية الموقع الجغرافى لمصر وقدرتها على الحفاظ على الاستقرار وفتح آفاق جديدة أمام التجارة والاستثمار
فالحروب لا تستنزف الأرواح والموارد العسكرية فحسب بل تمتد آثارها إلى الاقتصادات والأسواق وأسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين والشحن البحري وهو ما يجعل الاستقرار أحد العناصر المهمة في جذب الاستثمارات وتعزيز الثقة في الأسواق
مصر وموقعها الاستراتيجي في قلب التجارة العالمية
تتمتع مصر بموقع جغرافي فريد يربط بين قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا وتمنحها قناة السويس أهمية استثنائية في حركة التجارة الدولية ونقل الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب
ومع اضطراب الملاحة في بعض الممرات البحرية نتيجة التوترات الإقليمية تزداد أهمية البحث عن حلول بديلة لتخزين السلع وتنظيم عمليات النقل وإعادة التوزيع وهو ما يفتح المجال أمام مصر للاستفادة من إمكاناتها الجغرافية وموانئها وشبكات الطرق والمناطق الصناعية واللوجستية
وتتداول الأوساط الاقتصادية حديثا عن اهتمام شركات ودول بتعزيز قدراتها التخزينية واللوجستية في مصر لكن تحديد حجم هذا الطلب والفرص المالية المترتبة عليه يظل مرتبطا بالبيانات الرسمية والتعاقدات الفعلية
من ممر لعبور البضائع إلى مركز للتخزين والتصنيع
إن الفرصة الحقيقية أمام مصر لا تقتصر على زيادة حركة السفن العابرة لقناة السويس بل تمتد إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة تجعل البلاد مركزا للتخزين والتجميع وإعادة التصدير والتصنيع
فبدلا من مرور البضائع عبر الموانئ المصرية دون تحقيق قيمة مضافة كبيرة يمكن العمل على جذب الشركات العالمية لإنشاء مستودعات ومراكز توزيع ومصانع ومشروعات لتجهيز المنتجات وتعبئتها قبل تصديرها إلى الأسواق المختلفة
وهذا التوجه يمكن أن يحقق عوائد متعددة تشمل توفير فرص العمل وزيادة النشاط الصناعي وتعزيز إيرادات الخدمات اللوجستية وجذب الاستثمارات الأجنبية ودعم الصادرات المصرية
كما يمكن أن ينعكس على تنمية المناطق المحيطة بالموانئ ورفع كفاءة البنية التحتية وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في مشروعات النقل والتخزين والخدمات البحرية
لماذا يمثل الاستقرار الاقتصادي أهمية استراتيجية؟
تؤكد التجارب الاقتصادية أن الصراعات المسلحة تفرض تكاليف باهظة حتى على الدول ذات الإمكانات المالية الكبيرة إذ يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف التأمين والنقل واضطراب الأسواق وتراجع ثقة المستثمرين
ومن هنا تبرز أهمية تجنب الانخراط في صراعات لا تحقق مصالح مباشرة للدولة والعمل بدلا من ذلك على حماية الأمن القومي والحفاظ على استقرار المؤسسات وتوجيه الموارد نحو التنمية
ولا يعني ذلك أن الدول المستقرة تستفيد تلقائيا من كل حرب تدور حولها فالأزمات قد تفتح فرصا جديدة لكنها قد تحمل أيضا مخاطر على التجارة والسياحة والطاقة والاستثمار وأسعار السلع
وتعتمد النتيجة النهائية على قدرة الدولة على إدارة المخاطر والاستفادة من الفرص دون تعريض مصالحها الحيوية للخطر
هل تستطيع مصر استثمار الفرصة؟
هذا هو السؤال الأهم في المرحلة الراهنة
فنجاح مصر في التحول إلى مركز إقليمي للتخزين والتوزيع والتصنيع يحتاج إلى أكثر من الموقع الجغرافي المتميز إذ يتطلب سرعة الإجراءات الحكومية ووضوح القواعد المنظمة للاستثمار وتوافر الأراضي والمستودعات الحديثة وكفاءة الموانئ وشبكات النقل وتنافسية تكاليف الخدمات
كما يحتاج إلى منظومة جمركية مرنة ورقمنة الإجراءات وتطوير المناطق الصناعية وتوفير التمويل والطاقة والعمالة المدربة وضمان استقرار السياسات الاقتصادية
والأهم أن تكون هناك رؤية واضحة تربط الموانئ بالمصانع ومراكز التخزين والأسواق المحلية والأفريقية والعربية والأوروبية حتى تتحول الفرص المؤقتة الناتجة عن اضطراب سلاسل الإمداد إلى مشروعات مستدامة ذات قيمة مضافة للاقتصاد الوطني
الاستقلال في القرار وحماية المصالح المصرية
تستطيع مصر من خلال علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف وتعزيز دورها الدبلوماسي أن تدعم جهود التهدئة وتدافع عن مصالحها وتحافظ على أمنها القومي في منطقة شديدة الاضطراب
كما أن ارتباط المصالح الاقتصادية للدول والشركات بالسوق المصرية قد يعزز دوافع التعاون معها لكنه لا يغني عن امتلاك عناصر القوة الاقتصادية والأمنية والإدارية التى تحمى مصالح الدولة فى مختلف الظروف
إن بناء اقتصاد قوي لا يعتمد على انتظار الأزمات بل على الاستعداد لها وتحويل التحديات إلى فرص مدروسة مع الحفاظ على المصالح الوطنية بعيدا عن المغامرات غير المحسوبة
الخلاصة
إن مصر تمتلك مقومات جغرافية وتجارية مهمة تؤهلها للقيام بدور أكبر في حركة التجارة العالمية لكن الاستفادة من هذه المقومات ليست نتيجة تلقائية للأزمات الإقليمية وإنما ثمرة للتخطيط الجيد والإدارة الفعالة والاستثمار في البنية التحتية والصناعة والإنسان المصري
فالرهان الحقيقي ليس على استمرار الحروب من حولنا بل على قدرة مصر على حماية استقرارها وتطوير اقتصادها وتعظيم القيمة المضافة لموقعها الاستراتيجي
مصر تستطيع أن تجعل من الاستقرار نقطة انطلاق للتنمية ومن الموقع الجغرافي قوة اقتصادية ومن التحديات فرصة لبناء مستقبل أكثر قوة واستدامة
تحيا مصر بأمنها واستقرارها وعمل أبنائها من أجل مستقبل أفضل







