كيف تقلع عن التدخين عن تجربة شخصية : عماد نويجي الجزء الثاني من الحكاية فهو لمن بدأ التدخين بالفعل لمن اصبح التدخين جزءا من حياته لمن يريد ان يعرف كيف كانت رحلتي الشخصية في الاقلاع وهذه ليست قصة من قصص التنمية البشرية ولا وصفة سحرية انها تجربة انسان عاش التدخين سنوات طويلة ثم استطاع في النهاية ان يقول له لا الرحلة من علبة السجائر الى علبة اللبان كنت مدخنا مدمنا منذ الصغر ولم اعد اكتفي بعلبة واحدة في اغلب الايام وللامانة لن اقول علبة واحدة فقد كانت علبة ونصف واحيانا علبتين او اكثر اذا كان هناك تجمع او مناسبة واتذكر انني كنت احمل علبة السجائر في حقيبتي حتى في السفر ايام رمضان وقد لا اهتم بحمل تمرة افطر عليها تخيل اول ما اعرف اننا دخلنا في وقت المغرب اشعل سيجارة وانا فى السيارة كانت هناك سيارة تابعة لشركة السجائر تأتي الى القرية كل يوم اثنين وكان يوما واحدا في الاسبوع ومن تنفد سجائره من أصدقائى كان يأتي الي حتى لو في منتصف الليل لسبب بسيط انهم كانوا يعرفون انني لا اشتري السجائر بالعلبة فقط كنت اشتري بالقاروصة او بالفيته كما كان يطلق عليها لقد كبرت في عالم التدخين من شراء السيجارة الى شراء العلبة الى شراء القاروصة تطور الى الاسوأ طبعا وحاولت كثيرا الاقلاع اخفف اياما ثم اعود اتوقف عدة ايام ثم ارجع وكانت محاولات البيت لا تتوقف لاثنائي عن التدخين اتذكر ان زوجتي كانت تقول لي بدلا من علبة السجائر كل يوم اشترى فردة حمام فهي بنفس السعر وقتها وكان ردي المسلوب تحت اغراء السجائر يضحكهم سوف اتناول فردة الحمام وسوف اقول عاوز احبس بسيجارة فلما فقدت الامل مني اصبحت هي التي تشتري لي السجائر بالقاروصة وكان هذا وحده دليلا على ان الامر اصبح صعبا وكان لي زميل رحمه الله لا يدخن قال لي ذات مرة هات جنيه وولع فيه كده كل يوم قلت له طبعا مستحيل اكيد سيقول الناس عني سفيه وحقا كنت سفيها يا صديقي تعددت المحاولات مرة بعد مرة وصل الامر الى ان قيل لي اعمل نذرا وانذر مبلغا لو بطلتها فعلت ولم تكن هناك فائدة ثم جاءت الوصفات نسلق جذرا ونضربه في الخلاط ونشربه ولا نتيجة لم تكن الارادة متوفرة نهائيا والطريف ان اسعار السجائر وقتها كانت ترتفع مرة واحدة في العام غالبا مع بداية السنة المالية وليس كما يحدث الان ومررت بتجربة النرجيلة او الشيشة او ( الجوزة ) كما يطلق عليها في العامية بدأت مع زميل حاول اقناعي بانها تؤدي الغرض وارخص في التكلفة جلست معه ولكن كان هناك شيء خط مع كل نفس كنت اكح وتعددت الانفاس وتعددت مرات السعال قلت له الموضوع مش نافع فقال لي لا تأخذ النفس على الرئة مثل السيجارة اسحبه وطلعه قلت له طيب ولازمته ايه ولكن ما زال الإقناع وكل شيء في اوله صعب ذهبت الى البيت واخبرتهم بقراري الجديد لم يكن احد في العائلة يدخن الشيشة فاستعرتها من بعض الجيران وولعناها ووضعنا القوالح والشيشة على السجادة والتف البيت حولي ليشاهدوا هذا الحدث الفريد لا اقول لكم كم كنت ملبوخا وانا واقع تحت ضغط المشاهدة النار تقع على السجادة اسحب مش قادر اعمل صوت زي الناس كانت تجربة فاشلة بكل المقاييس ولا انسى مواقفها الطريفة وكانت هذه اخر محاولة قالت الاسرة بالإجماع بلاش القرف ده ولو كان لابد من التدخين فليكن شيئا انظف وانتهت تجربة الشيشة في مهدها ونسيت ان اذكر محاولة اخرى شراء الدخان اللف وورق اللف ولكنها كانت تجربة فاشلة ايضا فالعشق للسيجارة كان قد وصل الى مرحلة الادمان الى ان طالعني والدي رحمه الله في يوم من الايام بخبر لم اكن اتوقعه قال لي انه اقلع عن التدخين فجأة وفعلا استطاع فقد كنا ندخن سويا كاصدقاء وكم استعرت منه سجائري في البداية ومرت الايام ووجدت ان الموضوع حقيقة فقلت له نفسي اعملها زيك فقال لي ضاحكا بالحرف الواحد انت مش راجل وكان عنده حق كل هذه المغامرات والمحاولات ولم استطع حتى جاءت اللحظة الفارقة منذ ستة وعشرين عاما بالضبط حدث ما لم اكن اتوقعه كنت على موعد مع حدث تأخر كثيرا في حياتي كانت البداية مع فطام ابني كنت انام معه بعيدا عن والدته فى حجرة ثانية وكانت تجهز العصائر والطعام وكل ما قد يحتاجه وسهرت معه اليوم الاول والثاني والثالث ومرت الايام وبدأ ينسى ومر الاسبوع الاول وفعلا اصبح الامر بالنسبة له عاديا جدا وبدأ يقبل على الطعام وهنا شعرت بالضعف والعجز وشعرت بكره شديد لنفسي هذا الطفل استطاع ان يستغني عن مصدر حياته عن طعامه الذي اعتاد عليه وانا رجل لا استطيع ان استغني عن مجرد دخان اي كان اسمه نيكوتين او غيره من المسميات التي لا قيمة لها امام الارادة ومن هنا جاء القرار الذي لا رجعة فيه كنت متخوفا جدا فكم من قرارات اتخذتها في الليل قبل ان اخلد للنوم ثم استيقظ في الصباح وكأن شيئا لم يكن ولكن هذه المرة كان القرار جادا لم اكمل العلبة التي كنت ادخن منها ولم افرط فيها حتى نفسا واحدا وبقيت معي طويلا حتى تلفت ثم ابلغت زملائي في المدرسة التي اعمل بها بقراري فاخذتهم الحماسة جميعا ولكنهم قالوا سنبدأ من الغد وفعلا بدأ مجموعة المدخنين من زملاء العمل رحلة الاقلاع مر يوم ويومان ولكن البعض لم يصمد ومع توالي الايام تساقط الواحد تلو الاخر حتى لم يبق سوى انا وما زلت صامدا بكل ما بداخلي من ارادة ولا انسى انني في يوم من الايام حكيت لهم حلما قلت لهم انني استيقظت من نومي منزعجا لانني حلمت انني اشرب سيجارة فتعالت الضحكات قالوا لي طالما بتحلم بيها يا حلو يبقى هترجع ليها تاني هم لم يعلموا ان حلمي بها لم يكن شوقا اليها بل كان خوفا وفزعا كنت اخاف ان اسقط انا الاخر في سباق الاقلاع وكانت ضحكاتهم تهدئ اخر ما تبقى بداخلي من خوف وتمنحني قوة اضافية للاستمرار وهنا اقول لك يا صديقي المدخن ويا صديقتي المدخنة ركز جيدا في اليوم الاول بدأت اغير نمط حياتي وعاداتي المرتبطة بالتدخين كنت ادخن مع شرب الشاي فتركت كوب الشاي فترة كل ما كان يمثل رابطا شرطيا بيني وبين السيجارة تخلصت منه وكل ما ذكرني بها ابتعدت عنه مؤقتا وساعدني في الايام والساعات الاولى النوم نعم الذهاب الى النوم كان مفيدا والعمل كان مفيدا وبعد العمل كان هناك شيء اخر شيء بسيط ولكنه كان في منتهى الفائدة اللبان نعم اللبان عندما اشعر برغبة جارفة لا تقاوم في السيجارة كنت اخذ حبة لبان نعم وهل هناك رجل يمضغ لبانة نعم امضغ لبانة فانت في حالة تعاف من مرض ومسموح لك بكل ما يساعدك لا تلق بالا لاحد انت وحدك تعرف ماذا تفعل وانت وحدك تعرف حجم المعركة التي تخوضها ونجحت الخطة ولكن كان اكثر ما يؤرقني سؤال واحد هل سأقدر على الاستمرار هل سأقدر على مواجهة التوتر هل سأقدر على الاستمرار وسط الحياة بكل تفاصيله هل سيستمر هذا التوتر والمقاومة كثيرا لا تخف فعلا كان كل يوم يمر يبعدني اكثر عن ذلك النفق المظلم الذي دخلته برعونة ولم استطع طوال سنوات ان اخرج منه استمررت ومع الايام اصبح الموضوع عاديا جدا مر الاسبوع الاول ثم جاء الاسبوع الثاني ثم قلت لنفسي طيب ماذا افعل عندما اشعر انني ما زلت اريد سيجارة خصوصا في ايام الشتاء الباردة او مع قهوتي او مع كوب الشاي والاجابة كانت واضحة سيجارة واحدة فقط لا ولا حتى نفس واحد اسمعها جيدا لا تستمع الى رغبتك ولو للحظة لان رجوعك سيكون قاتلا ورهيبا قد تقول لنفسك سيجارة واحدة ولن اعود وهذه هي الكذبة التي قد تعيدك الى البداية لا سيجارة الكترونية ولا اقراص ولا وصفات ارادتك الداخلية هي السلاح الحقيقي ارادتك انت انت وحدك تستطيع ان تقول لا كم مرت علي مواقف جعلتني اريد ان اجري على السيجارة واشربها او اتقبل سيجارة من قريب او صديق ولكنني لم اضعف يوما والغريب انني بعد فترة اصبحت لا اطيق رائحتها اشم رائحتها حتى قبل ان ارى من يدخنها وليس ذلك رغبة فيها بل اشعر ان صدري انقبض من رائحتها وكم احدثت مشكلات مع مدخنين في سيارة او في مكان مغلق لانني لم اعد اطيق رائحتها وهنا اسمحوا لي ان اتوقف لحظة لابد ان اعتذر لاسرتي في المقام الاول كيف تحملتم رائحتها طوال تلك السنوات كيف تحملتم وجودها حولكم ولم تتأففوا يوما منها كيف احتملتم ان اعود اليكم محملا برائحة الدخان اعتذر لكم اعتذر عن كل سيجارة دخنتها بجواركم عن كل نفس دخان تحملتموه من اجلي عن كل لحظة جعلتكم تتنفسون شيئا لم تختاروه واليوم بعد ستة وعشرين عاما من ذلك القرار اكتشفت ان اصعب شيء لم يكن الاقلاع عن السيجارة بل كان الاقلاع عن الانسان الذي كنت عليه وقتها وان اجمل انتصار لم يكن انني لم اعد ادخن بل انني عرفت ان الانسان يستطيع ان يهزم شيئا ظن طوال سنوات انه اقوى منه لهذا اكتب قصتي اليوم ليس لاقول لكم انني افضل من غيري ولا لاقول ان تجربتي تصلح للجميع ولكن لاقول لكل مدخن ما قلته لنفسي يوما انت تستطيع قد تكون حاولت وفشلت قد تكون توقفت ثم عدت قد تكون قلت مئات المرات هذه اخر سيجارة ولكن لا تجعل الفشل السابق حجة للاستسلام ابدأ من جديد ولا تنتظر اللحظة المثالية فاللحظة التي تقول فيها لا قد تكون اهم لحظة في حياتك ولمن لم يبدأ بعد اقول لك شيئا واحدا لا تجرب لا تقل سيجارة واحدة لانني انا نفسي بدأت بسيجارة واحدة ولو كنت اعرف يومها كم ستأخذ مني تلك السيجارة من سنوات ومال وصحة وارادة ووقت لرفضتها مليون مرة لا تدخل النفق من البداية فمن الحكمة ان تعرف طريق العودة قبل ان تخطو اول خطوة اما انا فقد دخلت وتأخرت كثيرا ولكنني في النهاية خرجت وما زلت حتى اليوم اتنفس بحرية وكلما شممت رائحة السيجارة قلت في داخلي الحمد لله لقد نجوت ولمن يدخن ربنا يكرهك فيها