قناة السويس ليست للمقايضة ولا للرهن ولا للإيجار ولا للبيع.. قناة السويس خط أحمر
بقلم: أشرف عبده
قولاً واحداً وفصلاً نهائياً لا يقبل التأويل: قناة السويس ليست للمقايضة، وليست للرهن، وليست للإيجار، وليست للبيع. قناة السويس خط أحمر، ومن يقترب منه يحترق.
هذه ليست شعارات للاستهلاك، هذه عقيدة وطنية حفرت في قلب ووجدان كل مصري بدماء أجداده ودماء آبائه. من يريد أن يتحدث عن الاستثمار في مصر، فليتحدث عن ألف مشروع في الصحراء والمصانع والطاقة، أما قناة السويس فلا توضع على طاولة مقايضة، ولا تدخل في حقيبة رهن، ولا تعرض في مزاد إيجار، ولا يجرؤ أحد على التفكير في بيعها.
1- ديليسبس والخديوي سعيد.. عندما حاولوا مقايضة مصر بالقناة:
القصة بدأت بمقايضة رخيصة. جاء فرديناند ديليسبس إلى صديقه الخديوي سعيد عام 1854 وقال له: أعطني صحراء ومليون فلاح، أعطيك مجداً أوروبياً. وقع سعيد فرمان الامتياز الأول وهو لا يقرأ بنوده الاستعمارية: مصر تقدم الأرض مجاناً، وتقدم 80% من العمال بالسخرة مجاناً، وتتنازل عن حقها في 75% من الأرباح لفرنسا، وتوافق على احتلال القناة 99 سنة.
كانت مقايضة خسيسة: مجد شخصي للخديوي مقابل بيع قناة لم تحفر بعد. والنتيجة أن مصر دفعت ثمن هذه المقايضة من دمها.
2- حفرت بالدم لا بالدينار.. فكيف ترهن؟
بدأ الحفر في 25 أبريل 1859. كل شهر كانوا يسوقون 20 ألف فلاح مصري بالكرباج من قرى الدلتا والصعيد، حفاة، مرضى، بلا حذاء ولا دواء، يعملون تحت شمس حارقة 12 ساعة.
مات 120 ألف مصري أثناء الحفر. كانوا يموتون من العطش فيحفر زملاؤهم قبره في نفس المكان الذي يحفر فيه القناة. هل تعلم ماذا يعني 120 ألف؟ يعني مدينة كاملة دفنت تحت مياه القناة.
من يحفر قناة بعظام أجداده هل يرهنها لبنك؟ من يسقي رمالها بدم أبنائه هل يؤجرها لشركة؟ الذي حفر بالدم لا يبيع بالدولار.
3- الافتتاح والإفلاس.. درس أن المقايضة تبيع الوطن:
افتتحت القناة في 17 نوفمبر 1869. الخديوي إسماعيل صرف 1.5 مليون جنيه على حفل الافتتاح ليرضي ملوك أوروبا. كانت مقايضة أخرى: بهرجة أوروبية مقابل إفلاس مصر. فأفلست الخزانة، فباع إسماعيل حصة مصر في القناة (44% من الأسهم) لبريطانيا عام 1875 بـ 4 ملايين جنيه فقط، ثمن بخس. ثم جاء الاحتلال البريطاني عام 1882 بحجة “حماية القناة”.
كل مرة قايضنا على القناة خسرنا الوطن. لذلك تعلمنا الدرس: القناة لا تقايض.
4- التأميم 26 يوليو 1956.. عندما قلنا لا للمقايضة ولا للبيع:
وقف جمال عبد الناصر في الإسكندرية وقال: “تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية”. لم يكن تأميماً لشركة، كان إعلاناً للعالم أن عهد المقايضة والرهن والإيجار انتهى.
فكان الرد عدواناً ثلاثياً. بريطانيا وفرنسا وإسرائيل قصفت بورسعيد وقتلت أكثر من 1000 شهيد في أيام. لكن أهل بورسعيد قاتلوا بالسكاكين والحجارة. لماذا؟ لأنهم كانوا يدافعون عن شرفهم، عن مقبرة أجدادهم. الدم الذي دفع عام 56 كان ثمناً لإلغاء فكرة أن القناة قابلة للبيع إلى الأبد.
5- أغلقناها 8 سنوات.. رفضنا حتى إيجارها للعدو:
بعد 1967 اتخذ قرار بطولي: إغلاق القناة بالكامل. لمدة 8 سنوات من 1967 حتى 1975 لم تمر سفينة واحدة. خسرت مصر 300 مليون دولار سنوياً وقتها، أي ما يساوي ميزانية الدولة كلها.
كان بإمكاننا أن نؤجرها للأمم المتحدة، أو نقايض فتحها بمساعدات. لكننا رفضنا. قلنا: نجوع ولا نؤجر قناتنا للعدو. المدن الثلاث هجرت، والقناة أصبحت جبهة حرب. هذا هو معنى “خط أحمر”: نغلقها ونموت جوعاً ولا نؤجرها.
6- العبور 1973.. مياهها أصبحت دماً مصرياً خالصاً:
في 6 أكتوبر 1973، مياه القناة لم تعد مياهاً مالحة، أصبحت مياه مخلوطة بدماء 10 آلاف شهيد عبروها في 6 ساعات.
عندما عبر الجيش المصري القناة بخراطيم المياه، كان يعبر فوق عظام أجداده الذين ماتوا في الحفر، وفوق دماء آبائه الذين ماتوا في 56. كل نقطة مياه في القناة اليوم فيها نقطة دم من جندي مصري.
هل يؤجر الإنسان دم ابنه؟ هل يرهن الإنسان قبر أبيه؟ هل يبيع الإنسان شرفه؟
7- القانون والدستور قالها: ممنوع البيع والرهن والإيجار:
اتفاقية القسطنطينية 1888 قالت: قناة السويس جزء لا يتجزأ من الأراضي المصرية.
المحكمة الإدارية العليا المصرية قالت في حكم تاريخي: قناة السويس من الأموال العامة التي لا يجوز التصرف فيها.
دستور 2014 في المادة 43 قال بالنص: “تلتزم الدولة بحماية قناة السويس وتنميتها والحفاظ عليها بصفتها ممراً مائياً دولياً مملوكاً لها، كما تلتزم بتنمية قطاع القناة كمركز اقتصادي مميز”.
مملوكة لها.. محمية بها.. ليست للرهن ولا للبيع ولا للإيجار ولا للمقايضة.
الرسالة الأخيرة لمن يهمه الأمر:
نقولها بالصوت العالي لكل من يتحدث في الداخل أو يروج في الخارج:
قناة السويس ليست للمقايضة.. فلسنا دولة تقايض تاريخها.
قناة السويس ليست للرهن.. فلسنا دولة ترهن شريانها.
قناة السويس ليست للإيجار.. فلسنا دولة تؤجر كرامتها.
قناة السويس ليست للبيع.. فلسنا دولة تبيع قبور شهدائها.
قناة السويس حفرها المصريون بدمهم، وأممها ناصر بإرادتهم، وأغلقها المصريون بكرامتهم، وحررها السادات بدمائهم، وفداها أهل القناة بمدنهم، وحفرها الجديدة أبناؤها بأموالهم في 2015.
قناة السويس خط أحمر.. مصرية.. وستظل مصرية.. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.







