الخلافات على ديوان المحاسبة… هل تقوض الصراعات السياسية منظومة الرقابة في ليبيا
متابعة / احمد مدنى : شعاع نيوز
تثير الخلافات بشأن إدارة ديوان المحاسبة في ليبيا، تساؤلات حول مستقبل الرقابة على المال العام، وقدرة المؤسسات الرقابية على أداء مهامها باستقلالية وفاعلية، في ظل التحديات السياسية والمؤسسية التي تواجه البلاد.
وبينما يُفترض أن يشكّل الديوان إحدى ركائز مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، يطرح الصراع حول إدارته مخاوف من انعكاساته على أعمال الرقابة والمساءلة، ومدى قدرته على كشف التجاوزات وحماية موارد الدولة.
فهل تهدد هذه الخلافات استقلالية ديوان المحاسبة وتفتح المجال أمام اتساع رقعة الفساد في ليبيا؟ أم يمكن احتواء الأزمة بما يضمن تحييد المؤسسة الرقابية عن التجاذبات السياسية؟
وقال أستاذ القانون والباحث السياسي الليبي رمضان التويجر، إن “الخلافات السياسية والتدخلات المتواصلة من جانب عدد من السلطات التشريعية، والصراع حول إدارة المؤسسات الرقابية، تؤثر بصورة مباشرة على استقلالية هذه المؤسسات ومنهجية عملها، بما ينعكس سلبًا على قدرتها على أداء مهامها في الرقابة والمحاسبة ومتابعة أوجه الإنفاق العام”.
وأضاف التويجر، في تصريح خاص لـ”سبوتنيك”، أن “المؤسسات الرقابية يفترض أن تتمتع بالاستقلالية اللازمة لممارسة دورها في مراقبة الإنفاق العام ومتابعة كل ما يتعلق بإدارة شؤون الدولة، إلا أن ضعف هذه المؤسسات يرتبط، إلى حد كبير، بطبيعة المنظومة السياسية والتشريعية القائمة في البلاد، التي أبقت هذه المؤسسات ضمن دائرة الخلافات والصراعات المستمرة .
وأوضح أن “الاتفاق السياسي ينص بوضوح على ضرورة التوافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة بشأن شغل المناصب السيادية، ومن بينها ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، غير أن مسار التوافق لم يفضِ إلى اتفاق مستقر يضمن استمرارية عمل هذه المؤسسات بعيدًا عن التجاذبات السياسية .
وأشار التويجر إلى أن “استمرار هذه الخلافات لا يقتصر تأثيره على المؤسسات الرقابية فحسب، بل يمتد ليشمل مختلف مناحي الاستقرار في البلاد، سواء على مستوى المؤسسات الرقابية أو التنفيذية أو التشريعية، الأمر الذي يُضعف فاعلية الأداء المؤسسي ويزيد من تعقيد المشهد السياسي .
وأكد أن “هذه الممارسات تنعكس بصورة مباشرة على أعمال الرقابة والتدقيق في الإنفاق العام، وعلى متابعة المخالفات المالية والإدارية”، محذرًا من أن “استمرار الصراعات حول إدارة المؤسسات الرقابية قد يحدّ من قدرتها على كشف التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها .
وشدد الباحث السياسي الليبي على “ضرورة تحييد المؤسسات الرقابية عن الخلافات السياسية وحالة التنافس القائمة في البلاد، بما يضمن استقلاليتها، ويعزز قدرتها على حماية المال العام وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، بعيدًا عن أي تدخلات أو ضغوط من الأطراف السياسية .
وقال المحلل السياسي الليبي عبد الله الديباني، إن “الانقسام المؤسسي والسياسي، الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات، يمثل التحدي الأكبر أمام استقرار الدولة وبناء مؤسساتها الحديثة”، مشيرًا إلى أن “توحيد المؤسسات السيادية والرقابية بات ضرورة ملحّة لحماية المال العام، ومنع تغوّل السلطتين التنفيذية والتشريعية .
وأضاف الديباني، أن “أي محاولة لفرض واقع سياسي أو إداري جديد داخل هذه المؤسسات باستخدام القوة أو الضغط المباشر تنطوي على مخاطر جسيمة، من شأنها تعميق الأزمة وتوسيع دائرة الصراع، فضلًا عن تقويض مبدأ الفصل بين السلطات وما تبقى من استقلالية المؤسسات الرقابية .
وكما أوضح المحلل السياسي الليبي أن “هذا النهج يرسّخ حالة من الاحتقان المؤسسي والشعبي، ويؤسس لسابقة خطيرة تجعل المؤسسات السيادية رهينة للتجاذبات السياسية والصراعات المسلحة، بما يفتح الباب أمام تكرار نزاعات النفوذ، سواء على المستوى الإداري أو الميداني، في محاولة للسيطرة على مفاصل الدولة بعيدًا عن الأطر القانونية والدستورية .
وكما أشار الديباني إلى أن “الانقسامات المؤسسية تنعكس بصورة سلبية على جهود مكافحة الفساد ومحاسبة المتورطين في التجاوزات المالية، إذ تتحول الأجهزة الرقابية من أدوات للمساءلة والشفافية إلى ساحات للصراع وتصفية الحسابات السياسية، الأمر الذي يحد من قدرتها على أداء مهامها الدستورية .
ولفت إلى أن “ازدواجية المؤسسات وغياب سلطة موحّدة تضمن سيادة القانون يؤديان إلى إضعاف فاعلية التقارير الرقابية، التي قد تتحول إلى أوراق ضغط سياسي تُستخدم لتصفية الحسابات مع الخصوم أو ابتزازهم، بدلًا من توظيفها في ملاحقة المتورطين واسترداد الأموال المنهوبة، وهو ما يعزز مناخ الإفلات من العقاب ويوفر بيئة ملائمة لاستمرار شبكات المصالح والفساد، على حساب مقدرات الشعب الليبي واقتصاد البلاد .
وأكد الديباني أن “تجاوز هذه الأزمة وإنهاء الخلافات بشأن إدارة المؤسسات الرقابية، وفي مقدمتها ديوان المحاسبة، يتطلبان مسارًا وطنيًا متكاملًا يستند إلى الحلول القانونية والمؤسسية، بعيدًا عن الإملاءات الفردية والتوافقات السياسية الهشة، التي لا تقوم على معايير واضحة .
وشدد على ضرورة “الالتزام بالنصوص الدستورية والقوانين المنظمة لعمل المؤسسات السيادية والرقابية، بما يضمن وضوح آليات التعيين والعزل وتداول المسؤوليات، وفقًا للاختصاصات القانونية للمؤسسات المعنية، ومعايير الكفاءة والنزاهة والحياد، إلى جانب إبعاد هذه المؤسسات عن المحاصصة السياسية والاستقطابات الحادة .
كما دعا إلى “تشكيل لجان توافقية مؤقتة، برعاية أممية أو قضائية، للإشراف على عمليات التسليم والاستلام وضمان استمرارية المرافق العامة وحيادها، مع تفعيل دور القضاء الإداري للفصل في النزاعات المتعلقة بشرعية القرارات الصادرة عن المؤسسات السيادية .
وأكد الديباني أن “التوصل إلى توافق وطني شامل بشأن المسار الدستوري وتوحيد مؤسسات الدولة يمثل شرطًا أساسيًا لإرساء الاستقرار، وتعزيز سيادة القانون، وبناء دولة المؤسسات القادرة على حماية المال العام ومكافحة الفساد







