ابن دقيق العيد مدرسا لإبن سيد الناس
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية وكما جاء في كتب الفقه الإسلامي الكثير والكثير عن علماء الإسلام وأئمة المسلمين وكان من بين هؤلاء الأئمة هو الإمام إبن سيد الناس، وقيل أنه أخذ ابن سيد الناس علم الحديث عن الإمام ابن دقيق العيد القشيري القوصي، والذي عدّه الإمام الذهيي أحد أربعة من أحفظ من رأى، وقال عنه أفقههم في الحديث، ولازمه ابن سيد الناس فترة طويلة، وصار معيدا في درسه، وكان ابن دقيق العيد إذا ذكر أحدا من الصحابة والرجال في درسه، قال ايش ترجمة هذا يا أبا الفتح؟ فيأخذ ابن سيد الناس في الكلام ويسرد والناس سكوت والشيخ مصغ إلى ما يقول، وأما فتح الدين بن سيد الناس فيقول عن شيخه لم أري مثله فيمن رأيت، ولا حملت عن أجلّ منه فيمن رويت.
قرأت عليه جملة من المحصول وكنت مستملي تصانيفه والمتصدر لإفادة طلبته بدار الحديث من جهته، وكان للعلوم جامعا، وفي فنونها بارعا، لا يشق له غبار، ولا يجري معه سواه في مضمار، كان حَسَن الاستنباط للأحكام والمعاني من السنة والكتاب، بلب يسحر الألباب، وفكر يفتح له ما يستغلق على غيره من الأبواب، مستعينا على ذلك بما رواه من العلوم، ولم يزل حافظا للسانه، مقبلا على شأنه، ونفع نفسه على العلم وقصرها، ولو شاء العاد أن يحصر كلماته لحصرها، وله تخلق، وبكرامات الصالحين تحقق، وعلامات العارفين تعلق، ولعل الانسجام بين ابن سيد الناس وشيخه ابن دقيق العيد كان لتشابههما في المزاج، فقد كان ابن دقيق العيد على جلالة قدره في العلم والفقه، خفيف الروح لطيف المعشر.
شاعرا حاضر البديهة، نقادة للشعر وأساليب البلاغة، ومن طرف آخر كان لا يحرم نفسه من متع الدنيا الحلال، على نسك وورع، وأخذ ابن سيد الناس كذلك الحديث عن الحافظ البارع شرف الدين الدمياطي، عبد المؤمن بن خلف الشافعي، وكان مليح الهيئة، حسن الأخلاق، بساما فصيحا نحويا لغويا، مقرئا، سريع القراءة، جيد العبارة، كثير التفنن، صحيح الكتب، مكثرا مفيدا، حلو المذاكرة، وأصبح ابن سيد الناس من كبار المحدثين في عصره، ليس فقط لكثرة من روى عنهم وقد قاربوا الألف، بل لاجتهاداته وترجيحاته وتقعيداته وتعقباته في هذا العلم، وولي مشيخة دار الحديث الظاهرية بالقاهرة، ودرّس صحيح البخاري فيها، وأخذ عنه الألوف من طلاب العلم والحديث في عصره.
وممن أخذوا عنه وعُرفوا به الحافظ علاء الدين مُغلطاي، والذي حلّ محل شيخه في مشيخة دار الحديث الظاهرية، وممن أخذ كذلك عن ابن سيد الناس الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير بدر الدين جنكلي ابن البابا الحنبلي، والذي تخرج على يد الحافظ فتح الدين، وعنه أخذ معرفة الناس وأيامهم وطبقاتهم وأسماء الرجال، وكان أولا قد اشتغل بمذهب أبي حنيفة، ثم إنه تمذهب للإمام أحمد بن حنبل، وله بيتان لطيفان فيقول بك استجار الحنبلي، محمد بن جنكلي، فاغفر له ذنوبه، فأنت ذو التفضل.







