“البغاء“
أشد الفواحش تحريمًا وتجريمًا
الفساد ورحلة السقوط والانهيار المجتمعي
دراسة تحليلية في ضوء المنظومة القرآنية
إن دين الله في جميع رسالاته دين الطهارة والعفة، جاء لصيانة الإنسان وحماية المجتمع من أسباب الانحلال والاستغلال. ومن هنا لم يقتصر القرآن على تحريم الفاحشة في ذاتها، بل أقام منظومة متكاملة تسد ذرائعها، وتجفف منابعها، وتمنع تحولها إلى سلوك مألوف أو نشاط منظم أو تجارة تستغل ضعف الإنسان وحاجته.
أولًا: الإحصان أصل العلاقة المشروعة
يرسم القرآن الإطار المشروع للعلاقة بين الرجل والمرأة على أساس الإحصان، فيقول:
﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
ويجمع هذا الوصف بين نفي صورتين من صور الانحراف:
السفاح، وهو العلاقات الجنسية المنفلتة الخارجة عن إطار النكاح. “البغاء”
اتخاذ الأخدان، وهو إقامة علاقات خفية أو خاصة خارج ذلك الإطار.”العشيقة”
وبذلك لا يكتفي القرآن بتحريم الفاحشة الظاهرة، بل يغلق منافذها العلنية والسرية على السواء.
ثانيًا: البغاء جريمة استغلال قبل أن يكون انحرافًا أخلاقيًا
ومن أشد صور الفاحشة التي واجهها القرآن البغاء القائم على الإكراه والاستغلال، قال تعالى:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.
فالآية تؤكد تحريم تحويل الإنسان إلى سلعة، أو استغلال حاجته أو ضعفه لتحقيق منفعة مادية، وتقرر أن الكرامة الإنسانية لا يجوز أن تكون محل بيع أو ابتزاز أو امتهان.
ومن ثم فإن البغاء ليس مجرد معصية فردية، بل يمثل منظومة من الاستغلال والإفساد الاجتماعي تتعارض مع مقاصد التشريع الإلهي في حفظ العرض والكرامة والطهارة.
ثالثًا: الاحتشام جزء من منظومة الوقاية
كما يقرر القرآن جملة من التوجيهات التي تصب في بناء بيئة اجتماعية قائمة على العفة والاحترام المتبادل، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾،
وقوله:
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾،
وقوله:
﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.
وتندرج هذه التوجيهات ضمن منظومة متكاملة تقوم على ضبط السلوك، وصيانة الجسد، وغض البصر، وحفظ الأسرار، وترسيخ قيم الاحتشام، بما يسهم في الحد من دواعي الفاحشة وأسبابها.
رابعًا: لا مجال لتقنين الفاحشة
إن الدعوة إلى تقنين البغاء أو إضفاء الشرعية عليه لا تنسجم مع المنهج القرآني الذي يقوم على محاربة الفواحش لا تنظيمها، وعلى الوقاية منها لا إقرارها. وقد قرر القرآن أصلًا عامًا بقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
وهذا الأصل يشمل الفاحشة في صورتها الفردية، كما يشمل كل محاولة لتحويلها إلى ممارسة مقبولة أو نشاط منظم أو وسيلة للكسب.
خامسًا: قراءة المفاهيم في إطار المنظومة القرآنية
وعند تناول المصطلحات القرآنية، ومنها مفهوم «ملك اليمين»، فإن فهمها ينبغي أن يكون منسجمًا مع الكليات التي يقررها القرآن في الإحصان والنكاح والعفة والمسؤولية، لا مع أي تصور يفضي إلى إباحة الفاحشة أو هدم مقاصد التشريع في صيانة الإنسان.
كما يؤكد القرآن ضرورة التحرز في نسبة الأحكام إلى الله تعالى، فيقول:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ﴾.
خاتمة
إن البغاء من أشد الفواحش تحريمًا وتجريمًا في المنظومة القرآنية، لأنه يجمع بين انتهاك العفة، وإهدار الكرامة، واستغلال الضعف، والإفساد في المجتمع. ولهذا لم يكتف القرآن بالنهي عنه، بل أقام سياجًا تشريعيًا وأخلاقيًا يرسخ الإحصان والاحتشام والعدل، ويغلق الأبواب المؤدية إلى الفاحشة قبل وقوعها.
فالرسالة الإلهية لا تبني مجتمعًا يطبع مع الرذيلة أو ينظمها، وإنما تبني مجتمعًا يصون الإنسان، ويحفظ كرامته، ويجعل الطهارة والعفة والإحصان
من أسس العمران الإنساني.
السيد فريج
عدد المشاهدات: 6


