معادلة البناء المكسورة: عندما تُستبدل الحقوق بالشعارات
بقلم: شريف السبع
تعتمد التنمية المستدامة في جوهرها على معادلة بسيطة: إنسانُ يتمتع بالكرامة والحماية، قادر على بناء نهضة مادية وحضارية متماسكة. غير أن هذه المعادلة تصاب بالخلل عندما يُفصل “المشروع” عن “صانعه”، ويُصبح الجدار أكثر أهمية من اليد التي تضع اللبنات. في هذه اللحظة بالذات، يتحول الخطاب الإنتاجي من محفز للعمل والتطوير إلى غطاء بلاغي تُغطى به بيئات عمل مأزومة، وتُستبدل فيه الحقوق التشريعية والإنسانية بالشعارات المرفوعة.
1. “اقتصاديات الإرهاق” وربحية الهشاشة
في كثير من القطاعات الصناعية والإنشائية، لا تُدار العمليات وفق حسابات الكفاءة والإنتاجية المستدامة، بل وفق ما يمكن تسميته بـ “اقتصاديات الإرهاق”. يعتمد هذا النموذج على ضغط كلفة التشغيل المباشرة من خلال تقليص الإنفاق على متطلبات بيئة العمل الأساسية، مع نقل المخاطر الاقتصادية والجسدية بالكامل إلى كاهل العامل.
تتجسد هذه الهشاشة البنيوية في عدة مظاهر:
التوسع في سياسات التعهيد والتشغيل غير المباشر: الاعتماد على عقود مؤقتة أو وساطات مقاولة لتجريد المنشأة من أي مسؤولية قانونية أو تأمينية مباشرة تجاه العمالة الميدانية.
حسابات الجدوى المقلوبة: التعامل مع أدوات الوقاية الشخصية، وصيانة المعدات، واشتراطات السلامة المهنية كـ “مصاريف زائدة” تقتطع من هامش الربح، بدلاً من كونها استثماراً حتمياً لحماية أصول المنشأة وبشرها.
الاعتماد على الدوران الوظيفي السريع (Turnover): استبدال العمالة المنهكة ببدائل أحدث عند تعرض الأولين للإصابة أو الإجهاد، مما يلغي مفهوم “الخبرة المتراكمة” لصالح نمط تشغيل استهلاكي للقوة البشرية.
2. السلامة المهنية الشفاهية وعجز الرقابة
غالباً ما تتجلى الفجوة بين النص والممارسة في ملف السلامة والصحة المهنية. فبينما تحفل اللوائح التشغيلية والتنظيمية ببنود دقيقة لحماية العاملين، تكشف الممارسة الميدانية عن تحول هذه البنود إلى إجراءات شكلية تُستكمل للوفاء بالشروط الإدارية فقط.
تبدأ السلسلة بضغوط الشعار الإداري والسياسي للسرعة وتقليص التكلفة، مما ينعكس مباشرة على تقليص اشتراطات البيئة الآمنة وفرض شفتات ممتدة، وتكون النتيجة الحتمية حوادث واستنزافاً تُسارع أدبيات الإدارة إلى تصنيفها كـ “إهمال فردي” أو “خطأ شخصي” للعامل، لتغطية الخلل البنيوي في بيئة التشغيل.
3. الشفتات الممتدة ومصادرة الأجر العادل
يمتد تأثير هذا الخلل إلى الساعات اليومية التي يقضيها العامل أمام الآلة أو داخل موقع البناء. حيث أدى التوسع في أنماط العمل الممتدة (مثل شفتات الـ 12 ساعة) إلى خلق حالة من الاستنزاف البدني والنفسي المتراكم.
عندما تتجاوز ساعات العمل طاقة الجسد، يحدث الآتي:
تراجع اليقظة الذهنية: مما يرفع احتمالية الأخطاء الفنية والإصابات الخطيرة في بيئات الماكينات الثقيلة أو الشدات الخشبية.
استنزاف رأس المال الصحي: تحول ساعات العمل الإضافية من فرصة لتحسين الدخل إلى وسيلة لتغطية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، بينما يدفع العامل الثمن من صحته البدنية على المدى الطويل.
التفاف الوعاء التأميني: احتساب الأجور الأساسية على غير قيمتها الحقيقية وفصل البدلات والحوافز عن الوعاء التأميني، مما يترك العامل بلا شبكة حماية اجتماعية أو تقاعدية تناسب حجم الجهد المبذول عبر سنوات عمله.
4. اغتراب العامل بين الشعار والواقع
عندما يُطالب العامل بالتضحية وتحمل ظروف التشغيل الصعبة باسم “المصلحة العامة” أو “معركة الإنتاج”، بينما يرى في الوقت نفسه تغيباً لمطالبه الأساسية في الأجر العادل والرعاية الصحية، تنشأ حالة عميقة من الاغتراب المؤسسي.
إن السرديات التي تمجد “الصمود العمالي” و”الأيدي الخشنة” تفقد قيمتها عندما تُستخدم لتبرير غياب بيئة العمل الآمنة. فالعامل لا يحتاج إلى المديح البلاغي بقدر حاجته إلى عقود واضحة، وأجور مجزية، وساعات عمل آدمية، وتفتيش ميداني حقيقي يُنفذ القانون دون تحيز.
إن الإنتاجية الحقيقية والمستدامة لا يمكن أن تُبنى على حساب كرامة وصحة العمال. إن إظهار مؤشرات النمو أو استكمال المشاريع في أوقات قياسية يستمد قيمته الفعلية من مدى سلامة واستقرار القوة البشرية التي أنجزته.
إن تصحيح هذه المعادلة المكسورة يبدأ من الاعتراف المباشر بأن الحقوق العمالية، والسلامة المهنية، والأجر العادل ليست مكرمة أو امتيازات تُمنح وتُسحب، بل هي التزام تشريعي وأخلاقي، والشرط الأول لأي بناء حقيقي يستهدف الاستمرار والعدالة.







