«عقدة الحداثة الشكلية»: حين يُستبدل التقدم العلمي بتفاهات المظاهر والمحاكاة الزائفة بقلم: أشرف عبد الحميد تتضح الفجوة الحضارية البالغة بين الدول الغربية ومراكزها البحثية المتقدمة في أوروبا وأمريكا، وبين واقعنا العربي والأفريقي، حين نتأمل مفهوم «النهضة والتقدم». ففي الوقت الذي تبني فيه الدول المتقدمة سيادتها عبر الثورات التكنولوجية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الثقيلة، والتطوير الذاتي للآلات، وتوطين العلوم والمعارف التي تبني المجتمعات، نجد أن الغالبية العظمى من بلداننا انحرفت بعيداً عن جوهر النهضة، واختزلت التطوير في مظاهر حداثية خارجية وممارسات استهلاكية سطحيّة. إن حصر الاهتمام في الشكليات مثل: تقليعة اللباس، والمنظرة، والاستعراض الاجتماعي، واستيراد أسوأ ما ينتجه الغرب من تفاهات واستهلاك، مع إهمال استيراد العلوم والمعارف ومناهج التطوير الحقيقي، هو استبدال رخيص للنهضة العلمية بالحداثة الزائفة؛ مما أبقى قارتنا الأفريقية والمنطقة العربية في موقع “المستهلك الدائم” للتكنولوجيا والسلع، رغم أن أراضينا تحتضن كافة مقومات السيادة الصناعية والابتكارية. أولاً: إشكالية المحاكاة الزائفة واختزال مفهوم التحديث تكمن الإشكالية الهيكلية في طبيعة المواد والأفكار التي يتم استيرادها ونقلها من المجتمعات الغربية: الاهتمام بالمنظرة والشكل على حساب الجوهر: أصبحت أولوية قطاعات واسعة تنحصر في المظاهر، والتفاخر الاجتماعي باللباس والماركات، وتكرار عمليات التجميل الشكلي للمباني والرصف دون أدنى اهتمام ببناء المهارات التكنولوجية، أو تأسيس معامل الأبحاث، أو توطين صناعة الآلات. تقليد الأسوأ وتجاهل مناهل العلم: لم يقتبس المقلدون من الغرب انضباط المعامل البحثية، ولا احترام التخصص، ولا مأسسة بناء المجتمعات وصيانة الحقوق، بل اندفعوا نحو تقليد أنماط الحياة الاستهلاكية والتفاهات المنقولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما فرّغ مفهوم “الحداثة” من مضمونه الفكري والعلمي. ثانياً: مفارقة المقومات الهائلة والعقول المهدورة تتضاعف مرارة هذا الواقع حين نتذكر أن الدول العربية والأفريقية لا تفتقر إطلاقاً إلى الموارد البنيوية والعقلية التي صنعت نهضة الأمم المتقدمة: الكنوز التعدينية واحتياطيات الطاقة: تحتضن أراضينا أضخم مناجم الذهب، والألماس، واليورانيوم، والكوبالت، والكروم، فضلاً عن الفسفات والنفط والغاز الطبيعي، والأراضي الزراعية الخصبة والموارد المائية. ورغم ذلك، تُصدّر هذه الموارد كخامات رخيصة، لتعود إلينا مجدداً في شكل منتجات تكنولوجية وسلع بأسعار باهظة. نزيف العقول والكفاءات المهاجرة: تُنفق مجتمعاتنا مليارات الدولارات على تعليم وتأهيل المهندسين والأطباء والعلماء، لكن غياب البيئة الحاضنة للاختراع وانشغال الرأي العام بالتفاهات يدفع هذه الكفاءات للهجرة، لتسهم في بناء التقدم التكنولوجي الغربي بدلاً من تطوير أوطانها. ثالثاً: خريطة الاستعادة لبناء المجتمع والسيادة العلمية لكي ننتقل من التبعية الاستهلاكية إلى الندّية الحضارية، يتعين الانتقال فوراً إلى نموذج تنموي واجتماعي يضع بناء الإنسان والعلم في الصدارة: صياغة وعي مجتمعي يعلي من شأن المعرفة: إعادة تشكيل الخطاب الثقافي والإعلامي ليصنع من المخترع، والباحث، والمهندس القدوة الحقيقية للشباب، بدلاً من إبراز صناع التفاهة ونماذج الاستعراض الشكلي. التحول نحو الإنتاج والتصنيع الذاتي: الاستثمار المباشر في المعامل، ومراكز الذكاء الاصطناعي، وتصنيع الآلات والمعدات محلياً، مع حظر تصدير المواد الاستراتيجية كخام لا تضاف إليه قيمة تصنيعية. استيراد المعارف وتوطين التكنولوجيا: تركيز الاحتكاك بالغرب على نقل التقنيات الحديثة، وبراءات الاختراع، والعلوم الدقيقة التي تُحدث نقلة نوعية في التعليم والطب والصناعة. كلمة أخيرة إن التقدم الغربي لم يقم على اللباس أو المنظرة أو المحاكاة السطحية، بل كان وليد الاستثمار الصارم في العقل البشري، والبحث العلمي، والإنتاج التكنولوجي. وإن أممنا العربية والأفريقية لن تقتحم مضمار العالم المتقدم بالشكليات وطبقات الطلاء، بل ببناء مجتمعات قائمة على العلم، واسترداد عقول أبنائها المهاجرين، وتحويل مقوماتها الذاتية إلى قوة تكنولوجية تُفرض احترامها على العالم.