شبح “الركود التضخمي” يهدد العالم… وتحذيرات من السيناريو الأسوأ
احمد مدنى / شعاع نيوز
يواجه العالم تحديات اقتصادية صعبة، مع دخول الاقتصاد العالمي مرحلة حرجة، إثر ارتفاع التضخم بنسب كبيرة مقارنة بالعام 2025
ودخل الاقتصاد العالمي انعطافة خطيرة توقف معها مسار انخفاض التضخم، فيما بدأت قفزة مرعبة في الأسعار بلغت نسبتها 80% مقارنة بالعام الماضي
لم تقتصر التحذيرات على مستويات “الانفجار السعري” بل ترافقت مع تقديرات “سوداوية” من انهيار معدلات النمو إلى مستويات قد تصل إلى 1.3%، ما يضع العالم رسميا في مواجهة مباشرة مع سيناريو “الركود التضخمي” القاتل
ومع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، يجمع الخبراء على أن الاقتصاد العالمي أمام “صدمة مزدوجة”، فمن جهة، يلوح في الأفق سيناريو وصول برميل النفط إلى 115 دولارا، ومن جهة أخرى، تشهد بعض الدول المستقرة تاريخيًا مثل اليابان سوابق تضخمية لم تعرفها منذ عقود
أرقام وإحصاءات
من ناحيته قال الدكتور أيمن عمر، الأكاديمي والباحث الاقتصادي، إن الرقم الرسمي الأحدث الصادر عن صندوق النقد الدولي في يوليو/تموز 2026 يُظهر أن مسار انخفاض التضخم العالمي قد توقف، إذ يُتوقع ارتفاع التضخم العالمي من 4.1% في 2025 إلى 4.7% في 2026، قبل أن يتراجع إلى 3.9% في 2027
وأضاف في حديثه مع “سبوتنيك”، أن الارتفاع يعكس بدرجة كبيرة أثر صدمات الطاقة والغذاء المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية
ولفت إلى أن الاقتصادات المتقدمة تقترب تدريجيًا من مستويات التضخم المستهدفة، بينما تتحمل الاقتصادات الناشئة والنامية الجزء الأكبر من الصدمة
وكما أوضح أن البنك الدولي رفع توقعاته لتضخم الاقتصادات النامية والناشئة إلى 5.1% في 2026، مقارنة بـ4.1% في التقديرات السابقة، مع إمكانية ارتفاعه إلى 5.8% في حال حدوث اضطرابات أكثر حدة في إمدادات الطاقة ووصول متوسط سعر برنت إلى نحو 115 دولاراً للبرميل. وبالتالي، فإن المشكلة لم تعد مجرد عودة التضخم إلى الارتفاع، بل أن صدمة الأسعار أصبحت أكثر ارتباطاً بالطاقة والنقل والغذاء، وهي قطاعات تنتقل آثارها بسرعة إلى تكاليف الإنتاج والاستهلاك
أكثر الاقتصادات تأثرا بالتوترات
حول أكثر الاقتصادات المتأثرة بالوضع الراهن، يقول عمر ” هناك مستويان رئيسيان من التأثر: الأول هو الاقتصادات التي تعاني أصلًا من اختلالات مالية ونقدية أو مستويات تضخم مرتفعة، مثل إيران وفنزويلا والسودان، فيما تواجه دول أخرى مثل تركيا والأرجنتين درجات مختلفة من الهشاشة التضخمية والمالية
ويرى أنه في هذه الحالات، لا تبدأ الصدمة من الصراع نفسه، وإنما تأتي الحرب لتضيف طبقة جديدة من الضغوط إلى اختلالات موجودة
أما المستوى الثاني، قال الاكاديمى ايمن عمر ، ان الأكثر أهمية في المرحلة الحالية، هو الاقتصادات المستوردة للطاقة والمعرّضة مباشرة لاضطرابات الإمدادات. خاصة أن الدول التي تستورد النفط والغاز والمواد الأساسية من الشرق الأوسط تتحمل الأضرار عبر قناتين متزامنتين: ارتفاع تكلفة الطاقة مباشرة، وارتفاع تكلفة الغذاء والإنتاج والنقل بصورة غير مباشرة
ويرى أن التضخم يضع العديد من الاقتصادات الناشئة والنامية في وضع صعب، لأن ارتفاع الطاقة يحدث في وقت تعاني فيه هذه الدول من ضعف النمو وارتفاع تكاليف التمويل وعجز مالي هيكلي.
وأشار البنك الدولي إلى أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية يضغط على دخول الأسر والنشاط الاقتصادي، بينما يمكن أن تتعرض صادرات بعض اقتصادات المنطقة للضرر نتيجة اضطراب التجارة والإنتاج
دائرة الخطر المباشر
وأشار عمر إلى أن لبنان اليوم ضمن دائرة الخطر المباشر، أمنيًا واقتصاديًا، لا سيما أن اقتصاده يدخل هذه الصدمة من قاعدة هشة أصلًا، ما يجعل أي ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة أو كلفة النقل والتأمين والاستيراد أكثر تأثيرا على الأسعار ومستويات المعيشة
السيناريو الأسوأ لما تبقى من 2026
وشدد عمر على أن المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران لا يزال متعثرًا، حيث انتهت في 17 أغسطس المهلة المرتبطة بالاتفاق المؤقت من دون التوصل إلى اتفاق شامل، فيما تصاعدت التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز
وكما أن حركة الملاحة في مضيق هرمز تراجعت بصورة حادة؛ إذ أظهرت بيانات تتبع السفن، أن سبع سفن للسلع الأساسية فقط عبرت المضيق في 20 أغسطس/آب، في مؤشر واضح إلى حجم الاضطراب الذي أصاب أحد أهم الممرات العالمية للطاقة
ويرى أنه إذا استمر التصعيد الحالي ولم تنجح الجهود الدبلوماسية في إعادة فتح مسار تفاوضي مستقر، فإن المخاطر الاقتصادية ستتجاوز بكثير السيناريو الأساسي الذي بُنيت عليه التوقعات
وفي السيناريو الذي يدرسه البنك الدولي، إذا أدت اضطرابات أكثر حدة في الشرق الأوسط إلى دفع متوسط سعر برنت إلى نحو 115 دولارا للبرميل، فقد يرتفع تضخم الاقتصادات الناشئة والنامية إلى 5.8%، وهو أعلى مستوى منذ 2013 باستثناء عام 2022.
اما بالنسبة تلسيناريو العالمي الأشد الذي درسه البنك الدولي، يمكن أن يهبط النمو العالمي إلى 1.3% فقط في 2026، بالتزامن مع ارتفاع التضخم إلى 4.4%، إذا أصبحت اضطرابات إمدادات الطاقة أكثر حدة وترافقت مع ضغوط مالية كبيرة.
وشدد عمرعلى أن السيناريو يوضح الخطر الحقيقي والذي لا يكمن في ارتفاع أسعار النفط وحده، وإنما في اجتماع ثلاثة عوامل: الطاقة المرتفعة، وضعف النمو، وانهيار الأوضاع المالية
ارتفاع كبير لنسب التضخم
قال رشيد ساري رئيس المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن معدلات التضخم الحالية، مقارنة بمعدلات العام الماضي على المستوى العالمي، وصلت اليوم إلى 7.6% في أغسطس من هذه السنة، مقابل نحو 4.4% في سنة 2025؛ وهو ما يشير إلى أن نسبة الارتفاع وصلت إلى أكثر من 80% مقارنة بالسنة الماضية
وأضاف ساري، في تصريح مع “سبوتنيك”، أن نسبة التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية تتراوح بين 3.2% إلى 3.5%، وهي نسبة أعلى من الهدف المسطر (2%) الذي يحقق التوازنات، وفي منطقة اليورو، وصلت معدلات التضخم إلى 2.9%.
وكما أوضح أن اليابان سجلت سابقة تاريخية، حيث تتراوح معدلات التضخم فيها بين 2.5% إلى 2.8%، في حين أن اليابان كانت دائمًا تسجل معدلات أقل من 1%، بل وكانت تحت الصفر لعدة عقود، وهو ما يعتبر ناقوس خطر للاقتصاد الياباني، في حين أن الصين تتراوح معدلاتها بين 0% و1%.
وتابع قائلا: “هناك اقتصادات تعاني نتيجة عدم الاستقرار الاقتصادي أو التدبيري، وكذلك بسبب المشاكل الأمنية والعسكرية؛ حيث يلاحظ أن فنزويلا وصلت إلى 387%، وهو أعلى معدل عالمي، تليها السودان بنسبة 75%، ثم إيران بنسبة 69%، والأرجنتين بنسبة 30% بعد أن انخفضت من ذروة 211%”
وأشار ساري إلى أن تركيا سجلت 28.6% رغم السياسة النقدية المتشددة، وهناك اقتصادات أخرى متأثرة بعدم الاستقرار العسكري والأمني، مثل اليمن (26.5%)، ونيجيريا (16%)، ومصر التي وصلت إلى 13.2%.
وكما أشار إلى إن معدلات النمو قد تتراجع إلى 2% فقط نتيجة هذا الاضطراب، وهو معدل قريب من الركود، كما أن التضخم العالمي قد يتجاوز 6% إذا استمرت أزمة الطاقة والحرب الأمريكية الإيرانية
السيناريو الأسوأ
ويرى أن السيناريو الأسوأ يتمثل في ارتفاع أسعار النفط فوق 110 دولارات للبرميل، ما سيضيف 0.3% لنقطة التضخم العالمي لكل زيادة قدرها 10 دولارات، وهذا سيؤدي إلى ركود تضخمي.
وأشار إلى أن هناك عوامل أخرى تساهم في إضعاف القدرة الشرائية، خاصة لدى الأسر في الدول النامية التي تعد الأكثر تضررًا بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة التي تشكل ما بين 40% إلى 60% من إنفاقها
وأما في أوروبا، ورغم تحسن الأجور (فرنسا مثلا ارتفعت الأجور فيها بنسبة 2% إلى 3% في 2026 مقابل ارتفاع الأسعار بنسبة 1.5% إلى 2%)، إلا أن تكاليف السكن والطاقة تظل مرتفعة، وهو ما يعني تحسنا طفيفا فقط. وحذر من أنه في حال استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية، فإن العالم ينتظر الأسوأ على مستوى معدلات التضخم، ونقص معدلات النمو، وإضعاف القدرة الشرائية عالميًا







