من صبرا وشاتيلا إلى بحر البقر وغزة.. 75 عاماً من نفس المجزرة ونفس الجاني
بقلم: أشرف عبد الحميد
مقدمة: ذكرى لا تموت
في 16 سبتمبر 1982، دخلت مليشيات لبنانية حليفة لجيش الاحتلال الإسرائيلي إلى مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت. استمرت المذبحة 3 أيام، من 16 إلى 18 سبتمبر. قتل أكثر من 3500 مدني فلسطيني ولبناني، معظمهم أطفال ونساء وشيوخ، بالسكاكين والرصاص، بينما كان الجيش الإسرائيلي يحاصر المخيمين ويضيء سماءهما بالقنابل المضيئة ليلاً لتسهيل القتل. العالم كله بكى، لكن أحداً لم يعاقب.
هذه ليست مجزرة منفصلة. من يقرأ تاريخ الاحتلال يجد أنها نفس المدرسة، ونفس الأسلوب، ونفس الهدف: قتل المدني العزل لتفريغ الأرض.
أولاً: صبرا وشاتيلا – الجريمة التي وثقها العالم
مخيم صبرا وشاتيلا كان يضم 90 ألف لاجئ فلسطيني هربوا من فلسطين 1948. في 1982 كان الاحتلال يحاصر بيروت. وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها أرييل شارون اتفق مع قائد القوات اللبنانية إيلي حبيقة على دخول المخيمين بحجة البحث عن مقاتلين فلسطينيين بعد انسحاب منظمة التحرير.
دخلوا فجر 16 سبتمبر. لم يجدوا مقاتلين، فوجدوا أطفالاً نائمين. بدأت المذبحة: اقتحام البيوت بيتاً بيتاً، ذبح الأطفال أمام أمهاتهم، اغتصاب النساء ثم قتلهن، قتل الشيوخ في المساجد. الصحفيون الذين دخلوا بعد 3 أيام وجدوا جثثاً مكدسة، أطفالاً مذبوحين، نساءً حوامل بقرت بطونهن. لجنة تحقيق إسرائيلية نفسها (لجنة كاهان) أدانت شارون وقالت إنه يتحمل المسئولية الشخصية لأنه سمح بدخول المليشيات ولم يوقف المذبحة رغم علمه بها.
صبرا وشاتيلا كانت رسالة: لا مكان آمن للفلسطيني حتى في مخيم لاجئين تحت حماية دولية.
ثانياً: مجزرة بحر البقر – حين قصفوا الأطفال في المدرسة
قبل صبرا وشاتيلا بـ 12 سنة، وفي 8 أبريل 1970، ارتكب نفس الجيش مجزرة لا تقل وحشية في مصر.
مدرسة بحر البقر الابتدائية في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية. طائرات الفانتوم الإسرائيلية قصفت المدرسة المكونة من طابق واحد و3 فصول بها 150 طفلاً. الساعة 9:20 صباحاً أثناء الحصة الثانية، ألقت 5 قنابل وصاروخين على الأطفال.
استشهد 30 طفلاً في الحال، وأصيب 50 طفلاً بجروح خطيرة، بعضهم بترت أطرافه. الأطفال كانوا في سن 6 إلى 12 سنة، يلبسون المريلة المدرسية. الجريمة هزت العالم، ورسم الفنان صلاح جاهين: “الدرس انتهى لموا الكراريس.. بالدم اللي على ورقهم سال”.
بحر البقر تشبه صبرا وشاتيلا: قتل متعمد لأطفال عزل في مكان يفترض أنه آمن (مدرسة/مخيم). الهدف واحد: ترويع الشعب وكسر إرادته.
ثالثاً: مجزرة قانا – الأمم المتحدة لم تحمهم
في 18 أبريل 1996، لجأ 800 مدني لبناني، معظمهم أطفال ونساء، إلى مقر الكتيبة الفيجية التابعة للأمم المتحدة في بلدة قانا جنوب لبنان هرباً من القصف الإسرائيلي في عملية عناقيد الغضب.
الجيش الإسرائيلي قصف المقر بـ 13 قذيفة مدفعية ثقيلة، رغم أنه يعرف إحداثياته بدقة وأنه مقر أممي. استشهد 106 مدنيين، بينهم 34 طفلاً، وأصيب 116. كانوا نائمين على الأرض في غرفة واحدة.
وبعد 10 سنوات، في 30 يوليو 2006 في حرب لبنان الثانية، كرر نفس الجيش نفس الجريمة في نفس المكان: قصف مبنى في قانا لجأ إليه 40 طفلاً و20 امرأة، فقتلهم جميعاً. سميت بمجزرة قانا الثانية.
قانا تشبه صبرا وشاتيلا: قتل أناس احتموا بالشرعية الدولية، والعالم اكتفى بالشجب.
رابعاً: غزة – صبرا وشاتيلا كل يوم منذ 2008 حتى اليوم
ما يحدث في غزة اليوم هو صبرا وشاتيلا مستمرة منذ 17 عاماً، لكن بأسلحة أحدث:
ديسمبر 2008 (الرصاص المصبوب): 1400 شهيد في 22 يوماً، بينهم 400 طفل.
2014 (الجرف الصامد): 2250 شهيداً، بينهم 550 طفلاً، قصف مدارس الأونروا التي لجأ إليها المدنيون مثل قانا تماماً.
2021: قصف برج الجلاء ومقرات إعلامية.
من أكتوبر 2023 حتى اليوم: أكثر من 40 ألف شهيد، 70% منهم أطفال ونساء، قصف مستشفيات ومدارس ومساجد وكنائس ومخيمات لاجئين. هي صبرا وشاتيلا لكنها تنقل على الهواء مباشرة كل دقيقة.
نفس الأسلوب: حصار، تجويع، قصف أماكن آمنة، قتل أطفال، ثم يقولون “نبحث عن مقاتلين”.
خامساً: لماذا نفس المنهج من 1948 حتى اليوم؟
من يقرأ التاريخ يجد نفس الخيط:
دير ياسين 1948: 250 شهيداً ذبحاً.
كفر قاسم 1956: 49 شهيداً.
بحر البقر 1970: 30 طفلاً.
صبرا وشاتيلا 1982: 3500 شهيد.
قانا 1996 و2006: 200 شهيد.
غزة 2008 حتى 2024: عشرات الآلاف.
العقيدة واحدة: الأرض بلا شعب. لكي تفرغ الأرض، يجب أن ترعب الشعب بقتل الأطفال والنساء في أكثر الأماكن أماناً: المدرسة والمخيم ومقر الأمم المتحدة والمستشفى.
الخاتمة: الذكرى ليست للبكاء فقط
نحن نحيي ذكرى صبرا وشاتيلا ليس لنبكي فقط، بل لنفهم أن بحر البقر وصبرا وشاتيلا وقانا وغزة ليست مجازر منفصلة، بل هي سلسلة واحدة من 75 عاماً. والجاني واحد، والضحية واحدة: المدني العربي.
ومصر التي دفعت ثمن بحر البقر بالدم، هي نفسها التي احتضنت أطفال صبرا وشاتيلا بعد المذبحة، وهي نفسها التي تقف اليوم على معبر رفح تمنع تهجير أهل غزة وتدخل الغذاء والدواء.
السلام في العالم لن يأتي إلا إذا عوقب مجرم الحرب كما عوقب مجرمو الحرب في كل مكان في العالم. صبرا وشاتيلا لم يحاكم فيها أحد حتى اليوم، لذلك تكررت في غزة.
رحم الله شهداء بحر البقر وصبرا وشاتيلا وقانا وغزة
.. وستبقى دماؤهم شاهدة أن الحق لا يموت.







