معلم البشرية يحب وطنه
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن مفهوم السعادة، عند أغلبية الناس يحصرونها في تحقيق المنفعة واللذة، من تحصيل مال أو سلطان أو جاه أو شهرة أو جمال، أو ما إلى ذلك من حطام الدنيا الفاني، ورأينا صنفا آخر من الناس يظن السعادة تعذيبا للنفس سموا بها نحو العلى كما هو زعم النصارى في التبتل والرهبانية، ولكن نظرة الدين الإسلامي الحنيف للسعادة، فهو لا يلغي ماديات الحياة ولا يقدسها، فهي وسيلة لتحقيق الغاية.
التي من أجلها خلق الإنسان، ألا وهي العبودية المطلقة لله عز وجل، حيث يقول تعالي ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نحرص على ترجمتها لتحقيق السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، ولقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب مكة المكرمة مودعا لها وهي وطنه الذي أُخرج منه، فقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة “ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكي ما سكنت غيرك” رواه الترمذي، فقالها صلى الله عليه وسلم بلهجة حزينة مليئة أسفا وحنينا وحسرة وشوقا، مخاطبا إياها “ما أطيبك من بلد”
ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معلم البشرية، يحب وطنه لما قال هذا القول الذي لو أدرك كل إنسان مسلم معناه لرأينا حب الوطن يتجلى في أجمل صوره وأصدق معانيه، ولأصبح الوطن لفظا تحبه القلوب، وتهواه الأفئدة، وتتحرك لذكره المشاعر، ولما بلغ النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم الجحفة في طريقه إلى المدينة اشتد شوقه إلى مكة، فأنزل الله عليه قوله تعالى ” إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلي معاد ” أي لرادك إلى مكة التي أخرجوك منها، ويقول الشيخ سيد قطب رحمه الله في تفسير الآية أنه يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خلفه القلة المسلمة التي كانت يومها بمكة، يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو مخرج من بلده، مطارد من قومه، وهو في طريقه إلى المدينة التي لم يبلغها بعد، فقد كان بالجحفة قريبا من مكة، قريبا من الخطر، يتعلق قلبه وبصره ببلده الذي يحبه، والذي يعز عليه فراقه لولا أن دعوته أعز عليه من بلده وموطن صباه ومهد ذكرياته ومقر أهله، يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في موقفه ذلك، وكأنما يقول له فما هو بتاركك للمشركين، وعندما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واستوطنها ألفها، بل كان يدعو الله أن يرزقه حبها، كما في الصحيحين “اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد” رواه البخاري، فهو صلى الله عليه وسلم يدعو الله بأن يرزقه حب المدينة أشد من حبه لمكة لإستشعاره بأنها أصحبت بلده ووطنه التي يحن إليها، ويسر عندما يرى معالمها التي تدل على قرب وصوله إليها، ومثلما دعا بحبها فقد دعا لها، كما في الصحيحين.
“اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة” رواه البخاري، وفي رواية الإمام مسلم يقول صلى الله عليه وسلم “اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعا لمكة، ومثله معه” رواه مسلم، ومن دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام لمكة ودعاء محمد للمدينة يظهر حبهما لتلك البقعتين المباركتين، اللتين هما موطنهما، وموطن أهليهما، ومستقر عبادتهم.







