حين يتحول العطاء إلى استحقاق
بقلم :أيمن بحر
من أغرب ما يحدث فى العلاقات الإنسانية أن الإنسان لا يدرك قيمة بعض الأشياء وهى بين يديه لكنه يبدأ فى إدراك قيمتها الحقيقية عندما تختفي
في البدايات يكون الاهتمام واضحا والسؤال له معنى والتعب محل تقدير والتنازل دليلا على المحبة ويشعر كل طرف بأن ما يقدمه للطرف الآخر يمثل قيمة حقيقية فى العلاقة
لكن مع مرور الوقت قد تتحول الأشياء الجميلة التى اعتدنا وجودها إلى أمور عادية يفقد معها الإنسان إحساسه بقيمتها فالجهد الذي كان محل تقدير يصبح أمرا متوقعا والعطاء الذى كان اختيارا يتحول تدريجيا إلى ما يشبه الواجب والاهتمام الذي كان يسعد القلب يصبح حقا مكتسبا لا يحتاج إلى شكر
وهنا تبدأ واحدة من أخطر مشكلات العلاقات عندما يتحول العطاء من مساحة للحب إلى مساحة للاستنزاف
قد يظل شخص لسنوات يقدم الأمان والاحتواء والدعم ويتحمل الكثير من أجل استمرار العلاقة دون أن يدرك الطرف الآخر حجم ما يبذله أو مقدار الضغط الذي يتحمله حتى يحافظ على استقرارها
وليس بالضرورة أن يكون الطرف الآخر سيئ النية فقد يعتاد الإنسان على النعم الموجودة في حياته بسرعة شديدة لكنه لا يدرك قيمتها إلا عندما يفقدها
ولهذا فإن قيمة بعض الأشخاص لا تظهر دائما وهم موجودون بقدر ما تظهر في الفراغ الكبير الذي يتركونه بعد الرحيل
المشكلة ليست في أن نعطي لمن نحب فالعطاء من أجمل صور الإنسانية والمحبة لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح العطاء بلا حدود وعندما يتحول الصبر إلى استنزاف وعندما يصبح وجود شخص في حياة شخص آخر أمرا مضمونا مهما حدث
فالعلاقات الصحية لا تقوم على طرف يعطي دائما وطرف يعتاد الأخذ بل تقوم على التقدير المتبادل والاحترام والقدرة على رؤية ما يقدمه الآخر قبل أن يتحول وجوده إلى أمر مسلم به
ومن النضج أن يدرك الإنسان أن الحفاظ على العلاقة لا يعني الحفاظ عليها بأي ثمن وأن المحبة لا تعني أن يتنازل الإنسان عن كرامته وأن التسامح لا يعني السماح بتكرار الأذى بلا نهاية
فالحدود ليست قسوة والابتعاد ليس دائما هروبا والصمت ليس دائما ضعفا
أحيانا تكون الحدود هي الوسيلة الوحيدة التي يحافظ بها الإنسان على قيمة عطائه وعلى سلامه النفسي وعلى ما تبقى من احترام داخل العلاقة
والرحيل الحقيقي لا يأتي عادة بسبب خلاف واحد أو موقف عابر أو خيبة واحدة بل يأتي بعد أن يتحدث الإنسان بصدق وبعد أن يوضح ما يؤلمه وبعد أن يضع حدوده وبعد أن يمنح الفرص ويحاول الإصلاح أكثر من مرة ثم يكتشف أن شيئا لا يتغير
عندها لا يكون الرحيل انتقاما ولا محاولة لإثبات القوة وإنما يصبح قرارا لحماية النفس وإنهاء علاقة فقدت قدرتها على احترام حدودها
فكل علاقة يمكن أن تمر بالخلافات وكل إنسان يمكن أن يخطئ لكن الفرق الحقيقي يظهر في القدرة على الاعتراف بالخطأ وفي احترام مشاعر الآخر وفي الرغبة الصادقة في الإصلاح
أما حين يصبح العطاء حقا مكتسبا والصبر أمرا مفروغا منه والوجود مضمونا مهما كان الثمن فإن العلاقة تكون قد دخلت مرحلة خطيرة يصبح فيها الفقد أحيانا هو الشيء الوحيد القادر على كشف الحقيقة
وفي النهاية يجب أن نتذكر أن من اعتاد وجودك قد لا يشعر بقيمتك كل يوم لكن غيابك قد يجعله يرى أشياء لم يكن يراها وهو يملكها
لذلك لا تجعل عطائك بلا حدود ولا تجعل محبتك سببا في إهدار نفسك
أعط بحب لكن لا تستنزف نفسك
سامح لكن لا تسمح بتكرار الأذى بلا نهاية
حافظ على من تحب لكن لا تفقد نفسك وأنت تحاول الحفاظ عليه
فأجمل العلاقات ليست تلك التي يقوم فيها طرف بالعطاء طوال الوقت وإنما تلك التي يعرف فيها كل طرف قيمة ما يقدمه الآخر ويحرص على ألا يتحول الحب فيها إلى اعتياد ولا يتحول الاعتياد إلى استحقاق







