العلاقات السامة حين يصبح الابتعاد ضرورة وليس قسوة
بقلم :أيمن بحر
ليست كل العلاقات التى نتمسك بها تستحق أن نبذل من أجلها أعمارنا وليست كل الأبواب التي نخشى إغلاقها تحمل خلفها خيرًا لنا فبعض العلاقات تتحول مع مرور الوقت إلى عبء ثقيل على الروح وتستنزف مشاعرنا وتسرق من أعمارنا لحظات السلام والطمأنينة حتى نجد أنفسنا غارقين في محاولات مستمرة لإصلاح ما لا يريد الطرف الآخر إصلاحه
في العلاقات السامة لا يكون الألم دائمًا في الكلمات الجارحة وحدها بل قد يكون في التجاهل المتعمد وفي التقليل من شأنك وفي تحميلك مسؤولية كل خلاف وفي شعورك الدائم بأنك مطالب بتقديم المزيد من التنازلات حتى تستحق معاملة إنسانية طبيعية
ومع مرور الأيام تبدأ رحلة مرهقة من التفكير والتحليل ومراجعة المواقف والبحث عن إجابات لأسئلة لا تنتهي لماذا فعل ذلك وكيف لم يشعر بحزني ولماذا لا يعترف بخطئه رغم أنني أوضحت له ما يؤلمني مرات عديدة
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية حين يتحول الإنسان من شخص يعيش حياته بصورة طبيعية إلى شخص يستنزف طاقته في محاولة فهم سلوك الآخرين وإقناعهم بأن مشاعره تستحق الاحترام
والحقيقة التي ينبغي أن ندركها أن الحوار مهم والتفاهم ضرورة والاعتذار شجاعة ولكن هذه الأمور لا يمكن أن تنجح من طرف واحد فالعلاقة الصحية تحتاج إلى إرادة متبادلة ورغبة صادقة في الإصلاح وقدرة على الاعتراف بالخطأ واحترام الحدود والمشاعر
أما حين تتكرر الإساءة ويصبح الاعتذار مجرد كلمات عابرة يعقبها السلوك نفسه فإن الاستمرار في المحاولة قد يتحول إلى استنزاف نفسي لا نهاية له
ليس مطلوبًا منك أن تغير طباع كل إنسان تقابله ولا أن تخوض معارك يومية لإثبات أنك تستحق الاحترام وليس عليك أن تشرح ألمك في كل مرة لشخص يعرف جيدًا ما يفعله لكنه لا يبدي استعدادًا حقيقيًا للتغيير
هناك فرق كبير بين إنسان يخطئ ثم يتعلم من خطئه وإنسان يكرر الأذى ثم يبحث عن مبررات لسلوكه وهناك فرق بين شخص يختلف معك ويحترمك وبين شخص يستخدم الاختلاف وسيلة للإهانة أو السيطرة أو التقليل من قيمتك
ولا ينبغي لنا أن نطلق الأحكام النفسية على الآخرين أو نصفهم باضطرابات معينة لمجرد اختلافنا معهم فالأهم من الأسماء والتصنيفات هو أن ننظر إلى السلوك المتكرر وإلى أثره في حياتنا وأن ندرك متى تصبح العلاقة مؤذية وتحتاج إلى وقفة جادة
إن حماية النفس ليست أنانية والابتعاد عن الأذى ليس ضعفًا ووضع الحدود ليس قسوة كما أن إنهاء علاقة تستنزفك لا يعني بالضرورة أنك إنسان جاحد أو أنك لم تمنح الآخرين فرصتهم الكافية
أحيانًا يكون النضج الحقيقي في أن تتوقف عن الجدال وأن تختار الصمت بدلًا من الدخول في دائرة لا تنتهي من الاتهامات والتبريرات وأن تمنح نفسك فرصة لاستعادة هدوئها بعيدًا عن كل ما يرهقها
وقد يكون الحل في تقليل الاحتكاك أو تحديد طبيعة العلاقة أو وضع حدود واضحة في التعامل وفي بعض الحالات قد يكون الابتعاد هو الخيار الأكثر أمانًا خاصة عندما يتحول الأذى إلى تهديد أو عنف أو إساءة مستمرة
لكن الأمر يحتاج إلى حكمة واتزان فليست كل مشكلة دليلًا على علاقة سامة وليست كل خلافات البشر سببًا للقطيعة فالعلاقات الإنسانية بطبيعتها تحتاج إلى الصبر والتسامح والتفاهم ولكنها تحتاج أيضًا إلى الاحترام المتبادل والقدرة على التغيير
وإذا كانت العلاقة تجمعك بشخص لا يمكنك الابتعاد عنه بسهولة بسبب صلة القرابة أو العمل أو المسؤوليات الأسرية فإن بإمكانك أن تضع حدودًا واضحة تحفظ كرامتك وتقلل من الاحتكاك المؤذي وتطلب الدعم ممن تثق بهم عندما تحتاج إلى ذلك
تذكر دائمًا أنك لست مسؤولًا عن إصلاح العالم كله ولا عن تغيير طباع جميع من حولك أنت مسؤول عن اختياراتك وعن طريقة تعاملك وعن حماية صحتك النفسية والجسدية قدر استطاعتك
لا تجعل رغبتك في الحفاظ على الآخرين سببًا في خسارتك لنفسك ولا تسمح للخوف من الوحدة أن يجعلك تقبل بما يؤذيك فالوحدة الهادئة أحيانًا أرحم من وجود يملأ القلب بالقلق والتعب
امنح من تحب فرصة صادقة ما دام هناك احترام ورغبة متبادلة في الإصلاح ولكن لا تجعل الفرص المتكررة بابًا مفتوحًا لاستمرار الأذى
فالحياة أقصر من أن نقضيها في إثبات قيمتنا لمن يرفض رؤيتها وأثمن من أن نهدر أعمارنا في تحليل كل كلمة وكل موقف وكل تصرف يصدر عن إنسان لا يريد أن يفهمنا
تعلم أن تحب دون أن تفقد نفسك وأن تسامح دون أن تسمح بتكرار الأذى وأن تحافظ على صلاتك بالآخرين دون أن تتنازل عن كرامتك
فليس كل ابتعاد كراهية وليس كل صمت ضعفًا وليس كل انسحاب هزيمة
أحيانًا يكون الابتعاد بداية التعافي ويكون وضع الحدود أول خطوة نحو استعادة السلام الداخلي ويكون اختيار نفسك هو القرار الذي تأخر كثيرًا لكنه جاء في الوقت المناسب
في النهاية
احم قلبك من الاستنزاف وعقلك من التفكير الذي لا ينتهي وروحك من العلاقات التي لا تمنحها إلا التعب فليس واجبك أن تغير البشر بل واجبك أن تتعامل معهم بوعي وأن تمنح كل علاقة حجمها الحقيقي وأن تعرف متى تتمسك ومتى تتراجع ومتى يكون الرحيل هو الطريق الأكثر رحمة بنفسك
فأنت تستحق علاقة يسكنها الاحترام لا الخوف والطمأنينة لا القلق والتفاهم لا الاستنزاف





