منعت أمريكا الجسد فارتفع الصوت – أمريكا تعرقل السلام وتدور في فلك إسرائيل
بقلم أشرف عبد الحميد
للعام الثاني على التوالي تمنع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن من دخول نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتشمل العقوبة 80 فلسطينياً.
المبرر الأمريكي: فشل السلطة في الوفاء بالتزاماتها، وتدويل الصراع عبر الذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، والسعي للاعتراف الأحادي.
والرد جاء فوراً من الجمعية العامة: 152 صوتاً مؤيداً لسماع الرئيس عبر الفيديو، و3 أصوات معارضة فقط، و4 امتناع.
نقطة هامة يجب وضعها في الاعتبار
أثار باتريك كلوسون مدير مركز الأبحاث في معهد واشنطن في مداخلة على قناة القاهرة الإخبارية أن اتفاق المقر بين أمريكا والأمم المتحدة يسمح لقائد أي دولة بالحضور لكنه لا ينطبق على فلسطين لأنها ليست عضواً.
والرد القانوني: فلسطين مشمولة في المادة 11-5 من اتفاق المقر 1947 الخاصة بـ “أشخاص آخرين تدعوهم الأمم المتحدة لعمل رسمي” وهي الصفة التي مارستها منظمة التحرير منذ خطاب عرفات 1974، وفلسطين دولة مراقب غير عضو منذ القرار 67/19 في 29 نوفمبر 2012، وكانت أمريكا تمنحها التأشيرة لعقود. والمواد 11-13 تلزم أمريكا بإصدار التأشيرات مجاناً وبأسرع وقت ولا تسمح لها بتحويل التأشيرة لأداة سياسية. وفي 1988 عندما منعت أمريكا عرفات نقلت الأمم المتحدة الجلسة إلى جنيف بقرار 43/49. وقالت أمريكا نفسها عن الوفد الإيراني “سيشارك مع قيود على الحركة” بينما تمنع الفلسطيني كلياً، وهذا يثبت أن المنع سياسي عقابي.
الحقيقة الكبرى
أمريكا لا تبحث عن السلام بل تعرقل السلام ودائماً تحت طوع إسرائيل. استخدمت الفيتو 47 مرة، ونقلت سفارتها إلى القدس، وقطعت المساعدات عن الأونروا، ومنعت رئيس شعب تحت الاحتلال من الكلام. وكلما اقترب العالم من حل الدولتين بمبادرة سعودية فرنسية تدخلت لتوقف القطار.
والسبب معروف: أصوات اليهود في الخارج التي تحسم الانتخابات الأمريكية دائماً. اللوبي الصهيوني وعلى رأسه إيباك AIPAC يملك المال والإعلام والتأثير. ولايات مفصلية تُحسم بفارق آلاف الأصوات المنظمة، وأكثر من 60% من تبرعات الحزب الديمقراطي تأتي من متبرعين يهود أمريكيين. لهذا ترامب وبايدن يتفقان على حماية إسرائيل ومنع فلسطين. القرار ليس قرار رئيس بل قرار لوبي يحكم واشنطن.
النص الكامل لكلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن التي ألقاها اليوم عبر الفيديو أمام الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة تحت شعار “استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع”
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة،
السيد الأمين العام،
السيدات والسادة،
أود في البداية أن أتقدم بالتهنئة إلى رئيس هذه الدورة متمنياً له التوفيق، وأن أشكر كل من تضامن مع حق الشعب الفلسطيني.
أخاطبكم اليوم عبر الفيديو لأن الولايات المتحدة منعتني للعام الثاني على التوالي من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة، بعد أن رفضت منحي ووفدي التأشيرة. إنها سابقة خطيرة وإخلال واضح بالمواد 11-13 من اتفاق المقر لعام 1947.
السيدات والسادة،
السلام لن يتحقق ما لم تتحقق العدالة، ولن تكون هناك عدالة ما لم تتحرر فلسطين. نريد أن نعيش بحرية وأمن وسلام كبقية شعوب الأرض، في دولة مستقلة ذات سيادة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية في أمن وسلام مع جيراننا.
لقد آن الأوان لأن ينصف المجتمع الدولي الشعب الفلسطيني. ما تقوم به إسرائيل في غزة والضفة والقدس ليس مجرد عدوان، بل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية موثقة ستسجلها كتب التاريخ كأحد أكثر فصول المأساة فظاعة.
شعبنا في غزة يتعرض منذ عامين لحرب إبادة جماعية. وما يجري ليس مجرد عدوان بل جريمة ضد الإنسانية. جرائم الحصار والتدمير والتجويع لا يمكن أن تكون وسيلة لتحقيق الأمن.
أقولها بوضوح: لم يتم تنفيذ أكثر من ألف قرار دولي بشأن فلسطين. ألف قرار صادر عن مجلس الأمن والجمعية العامة لم تنفذه إسرائيل، ثم يأتي من يعاقبنا لأننا ذهبنا إلى محكمة العدل الدولية الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة.
إن إسرائيل لم تلتزم بالاتفاقات الموقعة معها وعمدت إلى تقويضها. إنها ترفض حل الدولتين، تريد مواصلة احتلال القدس الشرقية وضم مساحات واسعة وتواصل احتلال أحواض المياه وأخصب الأراضي وتسيطر على الأجواء والحدود. وهي بذلك تعد شعبنا بنكبة جديدة.
إن مجمل السياسة الإسرائيلية يصب في إضعاف السلطة الوطنية وإفشالها. خلال الشهور الماضية أصبحت اعتداءات ميليشيات المستوطنين الإرهابية واقعاً يومياً، 535 اعتداء منذ مطلع العام، تستهدف مواطنينا ومساجدنا وكنائسنا وبيوتنا ومدارسنا بتواطؤ تام من جيش الاحتلال.
وعليه أطالب اليوم:
أولاً: الوقف الفوري والدائم للحرب في غزة.
ثانياً: إدخال المساعدات الإنسانية دون شروط عبر الأمم المتحدة والأونروا ووقف استخدام التجويع كسلاح.
ثالثاً: الإفراج عن جميع الرهائن والأسرى.
رابعاً: الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من قطاع غزة وضمان بقاء سكان غزة في أرضهم دون تهجير.
خامساً: تنفيذ خطة التعافي وإعادة الإعمار.
وأؤكد: قطاع غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، ومستعدون لتحمل كامل المسؤولية عن الحكم والأمن فيه. لن نسمح لإسرائيل بأخذ سنتيمتر واحد من غزة. والسلطة الفلسطينية جاهزة لإدارة قطاع غزة.
كما أطالب بالإفراج عن أموال الضرائب الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل دون حق، ورفع الحواجز والحصار الخانق الذي يمنع السلطة من تقديم الخدمات ويمنع شعبنا من زراعة أراضيه، والذي بلغت فيه عمليات الهدم 510 منشآت وتشريد 770 مواطناً خلال عام واحد.
إن إعلان حل الدولتين الذي انطلق الاثنين الماضي في هذا المقر بمبادرة سعودية فرنسية أكد أن الحرب على شعبنا يجب أن تتوقف فوراً وبشكل مستدام.
لا نريد دولة فلسطينية مسلحة، إننا نعتمد السلام وننبذ العنف والإرهاب. نرفض الإرهاب وما قامت به حماس في 7 أكتوبر، وندين إرهاب المستوطنين الذي يتنامى بلا رادع.
رغم كل ما نشعر به من غضب، نؤكد باسم منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني أننا متمسكون بهدف السلام وبالشرعية الدولية ونبذ العنف ورفض الإرهاب بجميع أشكاله وخاصة إرهاب الدولة.
إن قيام دولة فلسطين الحرة المستقلة هو حق مقدس واستحقاق واجب الأداء منذ عقود. والسلطة الفلسطينية أثبتت عبر تقارير البنك الدولي وصندوق النقد ولجنة تنسيق المساعدات أن الاحتلال هو العائق الوحيد أمام قيامها.
سنواصل مساعينا للحصول على العضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة. ونحن لا نهدف إلى نزع الشرعية عن دولة قائمة هي إسرائيل بل إلى تكريس دولة يجب أن تقام هي فلسطين.
إن شعبنا سيواصل ملحمة صموده وبنائه لمؤسسات دولته وجهده لتحقيق المصالحة الوطنية عبر صناديق الاقتراع ومقاومته الشعبية السلمية.
امنعوا وقوع نكبة جديدة في الأرض المقدسة، ادعموا إقامة دولة فلسطين الحرة المستقلة الآن، ولينتصر السلام قبل فوات الأوان.
وشكراً.
تحليل سريع للكلمة
الكلمة جمعت كل النقاط: ألف قرار لم ينفذ = إدانة للعالم، جاهزون لإدارة غزة = إدانة لفكرة الفصل، إسرائيل نقضت الاتفاقات = إدانة لرواية واشنطن، التجويع ليس أمناً = إدانة للإبادة، و152 صوتاً سمعوه رغم المنع = إدانة للمنع الأمريكي. لهذا منعوه، ليس لأنه فشل في الإصلاح بل لأنه نجح في كشف الحقيقة.
الخلاصة
منعت أمريكا جسد أبو مازن، لكن صوته وصل اليوم عبر الفيديو عالياً تحت قبة الأمم المتحدة بنص كامل يطالب بالعدالة والحرية ودولة على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية.
حجة أن فلسطين ليست عضواً سقطت أمام المادة 11-5 وسابقة جنيف 1988، و152 دولة قالت لا للمنع، والكلمة الكاملة اليوم تثبت أن أمريكا بمنعها تثبت أنها ليست وسيطاً نزيهاً بل طرف منحاز يعرقل السلام لأنه يدور في فلك إسرائيل والسبب معروف: أصوات تحسم الانتخابات ومال يحرك الحملات.
فلسطين حاضرة بالنص الكامل.. بالجسد الممنوع والصوت العالي.







