عندما تغيّـر الشاشة وجه القانون والمجتمع: الدراما والسينما كقوة ناعمة لصناعة التشريع والأمن القومي
بقلم: أشرف عبد الحميد
تخطئ الأدبيات السياسية عندما تحصر أدوات التأثير في السياسات العامة ومواجهة الثغرات التشريعية داخل الكواليس البرلمانية أو المذكرات الإيضاحية للوزارات. إن التجربة التاريخية للفنون في مصر والشرق الأوسط أثبتت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن “الدراما والسينما الاشتباكية” تُمثّل قوة ناعمة فائقة التأثير، ومختبراً مبكراً لرصد مكامن الخلل في العقد الاجتماعي، والتحولات الجيوسياسية، والنصوص القانونية الجامدة.
الفن الحقيقي لا يكتفي بعكس الواقع، بل يعيد تشكيله؛ حيث ينزع عن النص التشريعي جفافه المادي ليمثل مأساة إنسانية أو تحدياً أمنياً أمام الملايين، مما يخلق حالة من “الوعي الرادع والضغط الشعبي الأخلاقي” التي تُجبر المشرّع على التحرك، وتمنح أجهزة الدولة ظهيراً مجتمعياً صلباً لمواجهة التطرف وإعادة تنظيم الشأن العام.
أولاً: أعمال سينمائية ودرامية صنعت فارقاً تشريعياً وتعديلاً مباشرًا للقوانين
1. فيلم «أريد حلاً» (1975) — نسف بيت الطاعة وتدشين عصر الخلع
استطاع هذا العمل أن يهز أركان المؤسسة القانونية والاجتماعية؛ إذ جسّد المعاناة المريرة للمرأة داخل محاكم الأحوال الشخصية، وما ينطوي عليه “بيت الطاعة” من إهانة للكرامة الإنسانية. كان الفيلم الشرارة المباشرة التي قادت إلى صدور القانون رقم 44 لسنة 1979 (المعروف بقانون جيهان)، والذي أحدث ثورة تنشيطية بمنح المرأة حقوقاً جديدة، وتمهيد الطريق تاريخياً لتدشين تشريع “الخلع” وقوانين الأحوال الشخصية الحديثة.
2. فيلم «جعلوني مجرماً» (1954) — الفرصة الثانية وإلغاء السابقة الأولى
طرح الفيلم معضلة هيكلية في السلوك الجنائي والمجتمعي؛ حيث كشف كيف تتحول “صحيفة الحالة الجنائية” (الفيشة) إلى حبل إعدام مدني يلاحق الشاب المخطئ بعد قضاء عقوبته. ونتيجة للصدمة التوعوية التي أحدثها العمل، صدر قرار تشريعي تاريخي ينص على محو السابقة الأولى من صحيفة الجنائي لتسهيل إعادة دمج التائبين في المجتمع.
3. فيلم «كلمة شرف» (1973) — أنسنة العقوبة وتطوير قانون السجون
ناقش العمل البُعد الإنساني والأخلاقي للسجين، وكشف الحاجة الملحة لإتاحة زيارات استثنائية أو الخروج المؤقت في ظروف خاصة كمرض أحد أفراد الأسرة أو وفاته. أثمر هذا الطرح المتميز عن تعديل جوهري في قانون تنظيم السجون، سمح للنزلاء بالخروج الاستثنائي بضوابط إنسانية تحت حراسة مشددة.
4. فيلم «الشقة من حق الزوجة» (1985) — تنظيم قواعد تمكين مسكن الزوجية
طرح الفيلم بشكل كوميدي سوداوي الصراع العنيف حول “مسكن الزوجية” وما يترتب عليه من تشريد للأطفال والمطلقات. أسهم هذا العمل في تعديل المادة 18 مكرراً من قانون الأحوال الشخصية، والتي ألزمت الزوج بتوفير مسكن مستقل للمطلقة الحاضنة أو دفع أجر مسكن مناسب بشكل صريح.
5. فيلم «هي فوضى؟» (2007) — إنهاء المحاكمات الفئوية وتعديل قانون الشرطة
جسّد الفيلم تجاوزات بعض أفراد أجهزة التنفيذ وابتزازهم للمواطنين. كان العمل بمثابة إنذار مبكر ومباشر لتغول تلك التجاوزات، وأسهم في تدشين حراك حقوقي وشعبي واسع أدى لاحقاً إلى تعديل قانون الشرطة، وإلغاء محاكمات أفراد الشرطة أمام المجالس التأديبية الفئوية وإخضاعهم مباشرة للقضاء الجنائي العادي.
6. فيلم «البريء» (1986) — أنسنة معاملة المجندين ولوائح السجون
طرح الفيلم قضية استغلال جهل مجندي السخرة وإقحامهم في مواجهات مع المعارضين السياسيين. وعلى الرغم من محاولات التضييق والحظر التي طالته، إلا أن أثره المباشر تمثل في فتح ملف حقوق المعتقلين والمحتجزين، وتعديل لوائح المعاملة داخل مراكز التدريب والسجون، وتغليظ العقوبات على تجاوزات السلطة.
7. مسلسل «تحت الوصاية» (2023) وفاتن أمل حربي (2022) — ثورة الولاية التعليمية وأموال القُصّر
كشف العملان الأبعاد البيروقراطية والإنسانية المعقدة لقانون الوصاية المالية على أموال القُصّر والولاية التعليمية، والقيود الصارمة التي تُفرض على الأم الأرملة والمطلقة. أسفر التفاعل الجماهيري عن تسهيل إجراءات الولاية التعليمية التلقائية للأم الحاضنة، وتحركات برلمانية جارية لتعديل قانون المجلس الحسبي الممتد منذ عقود.
ثانياً: تفكيك التكفير والعدوان: الدراما في مواجهة الإرهاب وفكر الجماعات (جماعة الإخوان)
لم يتوقف دور الشاشة عند التشريعات المدنية والجنائية، بل امتد ليكون السلاح الأكثر فاعلية في «معركة الوعي وتجفيف المنابع الفكرية للإرهاب»، وكشف استراتيجيات التغلغل السياسي والديني للجماعات المتطرفة وعلى رأسها جماعة الإخوان:
1. ثلاثية «الجمعة» ووحيد حامد (الإرهابي – الإرهاب والكباب – طيور الظلام)
تُعد أعمال الكاتب وحيد حامد والمخرج شريف عرفة في التسعينيات خط الدفاع الأول الذي فكك ظاهرة الجماعات الإسلامية المسلحة والجمود الفكري:
-
فيلم «الإرهابي» (1994): كسر هيبة التنظيمات السرية وعرّى آليات “غسيل الأدمغة” وتكفير المجتمع، محولاً الخطاب الفكري الضيق إلى قضية رأي عام وطني تتصدى للتعصب.
-
فيلم «طيور الظلام» (1995): قراءة استباقية رفيعة المستوى لشبكات المصالح وانتهازية الإسلام السياسي؛ حيث كشف الفيلم ببراعة التلاقي بين “فساد السلطة التنفيذية” و”انتهازية جماعة الإخوان والشرائح المتطرفة”، وكيف تستغل الجماعة شعارات الدين للوصول إلى مكاسب سياسية واقتصادية.
-
فيلم «الإرهاب والكباب» (1992): ناقش معضلة البيروقراطية والانسداد المجتمعي وكيف يخلق الاحتقان بيئة خصبة للتطرف.
2. مسلسل «الجماعة» (جزءان: 2010 – 2017) — التوثيق التاريخي والفكري لمشروع حسن البنا
قدم المسلسل تشريحاً تاريخياً وثائقياً لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين والتنظيم الخاص. أسهم العمل في تعرية الحقيقة التنظيمية والنهج السري للجماعة أمام الجيل الجديد، وعكس خطورة التغلغل الفكري داخل النقابات والجامعات والمؤسسات.
3. سلسلة «الاختيار» (1، 2، 3) ومسلسل «العائدون» — التوثيق الحي لثورة 30 يونيو ومعارك الاستقرار
مثّلت هذه المسلسلات النمط الأحدث في “الدراما التوثيقية الوطنية”؛ حيث وثقت الأحداث السياسية العاصفة التي شهدتها مصر عقب ثورات يناير و30 يونيو، وأبرزت:
-
كواليس إدارة الدولة في أحلك الظروف وتهديدات التنظيم الدولي للإخوان.
-
كشف خبايا المخططات الإقليمية لتقسيم المنطقة وتفكيك مؤسسات الدولة الوطنية.
-
بناء عقيدة وطنية لدى الشباب وتخليد بطولات القوات المسلحة والشرطة في دحر الإرهاب بسيناء والعاصمة.
ثالثاً: تحولات السياسة والثورات: الفن كمؤرخ ورادار للاحتقان الاجتماعي
قامت السينما والدراما بتمثيل أزمات الانسداد السياسي والاحتقان الاجتماعي قبل اندلاع الثورات، كما أرخت للتحولات المفصلية في تاريخ مصر الحديث:
1. فيلم «الكرنك» (1975) و«غروب وشروق» (1970) — مراجعة أخطاء الحقبة السياسية
تناول الفيلمان أزمات مراكز القوى والتجاوزات الأمنية خلال فترة الستينيات؛ ومثّلا مراجعة صريحة للتحولات السياسية، مما أسهم في دعم توجهات “دولة وسيادة القانون” وحظر التجاوزات الاستثنائية.
2. فيلم «دكان شحاتة» و«حين ميسرة» — الإنذار العاصف بقرب انفجار الشارع (ثورة 25 يناير)
قبل سنوات قليلة من اندلاع ثورة 25 يناير 2011، رصدت هذه الأعمال سينمائياً ظواهر “العشوائيات، والفقر المدقع، والانسداد السياسي، والتوريث”؛ حيث حذّرت بوضوح من أن غياب العدالة الاجتماعية والتهميش الاقتصادي سيؤدي حتماً إلى انفجار اجتماعي وثورة عارمة تزلزل أركان المجتمع.
3. مسلسل «قضية رأي عام» (2007) — الجرأة في مواجهة العار والمساس بالمسكوت عنه
يُعد هذا المسلسل علامة فارقة؛ حيث تجرأ على طرح قضية “الاغتصاب والتحرش الجماعي” بشجاعة. بالرغم من أنه لم يُنتج قانوناً جديداً — لكون العقوبات موجودة بالفعل — إلا أن إنجازه الحقيقي تمثل في تكسير ثقافة “الوصمة والعار” وتشجيع الضحايا على التوجّه المباشر للقضاء بدلاً من التكتم، ملزماً أجهزة الدولة بالتعامل الحازم والسريع مع هذه الجرائم.
رابعاً: القضية الدينية والصحة النفسية (تفكيك التابوهات والوصمة)
1. فيلم «حسن ومرقص» (2008) ومسلسل «أوان الورد» — ترسيخ المواطنة والوحدة الوطنية
واجهت هذه الأعمال بجرأة استثنائية ملف “الفتنة الطائفية” والمواطنة، وكشفت خطورة الخطاب الديني المتطرف من الطرفين (المسلم والمسيحي)، مؤكدة أن المواطنة المتساوية وسيادة القانون هما الصمام الوحيد لحماية نسيج الأمة.
2. فيلم «آسف على الإزعاج» ومسلسل «تحت السيطرة» — إعادة تعريف الصحة النفسية والإدمان
أسهمت هذه الأعمال في إحداث تحول نوعي في نظر المجتمع للإدمان والمرض النفسي؛ حيث تحول المدمن في الوعي الجمعي من “مجرم مستحق للعقاب” إلى “مريض يحتاج إلى العلاج والرعاية”. وقد مهد هذا الوعي الأرضية لـ تفعيل قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009 وتعديلاته، ودعم التوسع في إنشاء المراكز العلاجية وصناديق مكافحة الإدمان.
خامساً: رؤية استراتيجية: الفن كشريك في هندسة السياسات والأمن القومي
إن القوة الحقيقية للدراما والسينما تتمثل في قدرتها على إدارة الوعي الجمعي. وعندما تمتلك الدولة والمجتمع صناعة درامية واعية ومسؤولة، فإننا نكون أمام «أداة إنذار مبكر» تُحدد ثغرات النظام التشريعي وتفشل مخططات الاختراق الفكري قبل أن تتحول إلى أزمات أو اضطرابات مجتمعية.
-
الدراما كـ «استطلاع رأي حي»: تمنح المشرّع والمسؤول القيادي فرصة لقراءة مشاعر الشارع والاطلاع على المعاناة الواقعية للفئات الأكثر احتياجاً (كالمرأة، والأطفال، وذوي الهمم، والغارمين).
-
سلاح حماية الأمن القومي: إن القوانين والتشريعات تظل أوراقاً صماء ما لم تُسند بوعي مجتمعي يحميها وينادي بتطبيقها؛ ومن هنا يبرز دور الفن كجسر يربط بين إرادة المشرّع، وحماية الوعي، وترسيخ استقرار الدولة الوطنية.







