زيارة محمد بن سلمان إلى مصر ورسالة سوريا التى كشفت الحقيقة
بقلم: أيمن بحر
تعالى نقرأ المشهد من أوله
لماذا تأتى زيارة ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان إلى مصر فى هذا التوقيت تحديدا
ولماذا تبدو ملفات سوريا واليمن والبحر الأحمر حاضرة بقوة فى حسابات القاهرة والرياض
الإجابة ببساطة أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها الأزمات منفصلة عن بعضها البعض
ما يحدث فى سوريا اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية أو احتجاجات بسبب ارتفاع أسعار الوقود فقط
فالمشهد السورى أصبح نتيجة تراكمات سياسية وأمنية واقتصادية وتدخلات إقليمية ودولية جعلت الدولة السورية تواجه تحديات ضخمة فى الوقت الذى أصبحت فيه أجزاء من الأراضى السورية عرضة للتدخلات الخارجية
وهنا يجب أن نتوقف أمام سؤال مهم
هل كانت المشكلة فى سوريا مرتبطة بشخص واحد فقط
أم أن المشكلة الحقيقية كانت وما زالت أعمق من ذلك بكثير
التجربة السورية خلال المرحلة الماضية قدمت للعالم العربى درسا واضحا
إسقاط نظام أو تغيير سلطة لا يعني بالضرورة الوصول إلى الاستقرار
والأخطر أن الفراغ السياسى والأمنى قد يتحول إلى فرصة للقوى الخارجية للتدخل وفرض حساباتها على الأرض
وهنا تظهر أهمية الموقف المصري الذى ظل يؤكد على ضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها وجيشها ووحدة أراضيها ورفض تحويل المنطقة إلى ساحات مفتوحة للفوضى والصراعات
وخلال السنوات الماضية حاولت بعض المنصات الإعلامية تقديم نماذج سياسية معينة باعتبارها الطريق السهل للتغيير
لكن الشعوب لا تقرأ المشهد من خلال العناوين فقط
الشعوب تنظر إلى ما يحدث على الأرض
وعندما يرى المواطن دولة تفقد استقرارها وتزداد فيها الأزمات الاقتصادية والأمنية وتتسع أمامها مساحة التدخلات الخارجية فإنه يعيد حساباته بنفسه
وهنا تحديدا تظهر قيمة الدولة المصرية
مصر لم تكن تبحث عن بطولة إعلامية
مصر كانت تبحث عن الحفاظ على الدولة ومنع سقوطها في الفوضى
ولهذا فإن زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة لا يمكن النظر إليها فقط من زاوية ملف واحد
فالمنطقة أمام ملفات متشابكة تبدأ من سوريا ولا تنتهي عند اليمن والبحر الأحمر والسودان وفلسطين وليبيا ولبنان والعراق
والعديد من هذه الملفات تمس الأمن القومي العربي بصورة مباشرة
كما أن أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والتطورات في اليمن تفرض تنسيقا مستمرا بين القاهرة والرياض
وهنا تأتي أهمية العلاقة المصرية السعودية
القاهرة والرياض أمام مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة
مسؤولية حماية الأمن القومي العربي
ومواجهة محاولات تفكيك الدول
ودعم استقرار المنطقة
ومنع انتقال الأزمات من جبهة إلى أخرى
والرسالة الأهم التي يفرضها المشهد السوري هي أن الدولة ليست مجرد حكومة يمكن تغييرها ثم تنتهي المشكلة
الدولة مؤسسات وجيش وأمن واقتصاد وحدود ومجتمع
وعندما تسقط هذه المنظومة أو تضعف فإن فاتورة الفوضى يدفعها المواطن قبل أي طرف آخر
أما مصر فقد اختارت طريقا مختلفا
الحفاظ على مؤسسات الدولة
الحفاظ على الجيش الوطني
الحفاظ على وحدة المجتمع
والتعامل مع الأزمات الإقليمية بمنطق الأمن القومي وليس بمنطق المغامرة
ولهذا فإن ما يحدث حول مصر يجب أن يجعل المصريين أكثر تمسكا بدولتهم وأكثر وعيا بخطورة الشائعات والدعوات التي تحاول تصوير الفوضى باعتبارها طريقا إلى المستقبل
مصر ليست سوريا
ومصر ليست ليبيا
ومصر ليست العراق
ومصر تمتلك مؤسساتها وجيشها وشعبها وتاريخها وقدرتها على حماية أمنها القومي
والمرحلة المقبلة ستحتاج إلى مزيد من التنسيق بين القاهرة والرياض لأن أمن الخليج والبحر الأحمر والأمن القومي العربي أصبحوا ملفات مترابطة لا يمكن التعامل معها بشكل منفصل
وفي النهاية فإن زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر تحمل رسالة تتجاوز حدود الزيارة نفسها
رسالة عنوانها أن المنطقة تحتاج إلى التفاهم والتنسيق وليس إلى الفوضى
وتحتاج إلى دول قوية ومؤسسات وطنية مستقرة وليس إلى فراغ سياسي وأمني
وأن مصر عندما حذرت من مخاطر تفكك الدول وانتشار الفوضى لم تكن تتحدث من فراغ
بل كانت تقرأ المشهد قبل أن يصل إلى ما نراه اليوم
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها
وحفظ الله الدول العربية من الفتن والفوضى







