الجريمة في السويس.. من المخدرات إلى تنوع الجرائم.. هل حان وقت البحث عن الأسباب؟
كتب/ عبد اللطيف الجمل
■ رول الجنايات يفتح بابًا واسعًا لقراءة المشهد المجتمعي.
تكشف قراءة القضايا المدرجة أمام دائرة الجنايات المستأنفة بمحكمة جنايات السويس خلال جلسات الفترة من 24 إلى 27 أكتوبر 2026، عن تنوع واضح في طبيعة الجرائم المعروضة، فلم تعد الصورة قاصرة على قضايا المخدرات، وإنما ظهرت إلى جانبها جرائم قتل وشروع في قتل، واعتداءات وإصابات وعاهات مستديمة، وسرقات، وخطف، وهتك عرض، وتزوير، واستيلاء، وسلاح واستعراض قوة وتهديد، وغيرها من القضايا.
وبحسب الكشوف محل القراءة، بلغ عدد القضايا المدرجة 47 قضية، موزعة على أقسام شرطية مختلفة داخل نطاق المحافظة، من بينها السويس، والأربعين، وفيصل، وعتاقة، والجناين.
وهنا لا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها إحصاءً نهائيًا لمعدلات الجريمة في المحافظة، وإنما باعتبارها نافذة تستحق التوقف أمامها وطرح مجموعة من الأسئلة المجتمعية المهمة.
■ المخدرات كانت الصورة
الأبرز فماذا تغير؟
لسنوات مضت، كان ملف المخدرات حاضرًا بقوة في المشهد الجنائي، حتى بدا في كثير من الأحيان وكأن الجزء الأكبر من القضايا الجنائية يدور حول التعاطي أو الحيازة أو الاتجار.
وقد تكون وراء بعض هذه الجرائم أسباب متعددة؛ منها البحث عن المال السريع، أو التأثر برفقاء السوء، أو ضعف الرقابة الأسرية، أو الظروف الاقتصادية، أو الاعتقاد الخاطئ بأن تجارة المخدرات يمكن أن تمنح صاحبها طريقًا سريعًا إلى الثراء.
لكن القراءة الحالية تطرح سؤالًا مختلفًا ..؟!
ماذا يعني أن تبدأ خريطة الجرائم في الاتساع لتشمل أنماطًا متعددة من الجرائم إلى جانب المخدرات؟
السؤال هنا ليس للتخويف، وإنما للبحث.
■ من الاتجار بالمخدرات إلى القتل والخطف والسرقة والتزوير.
تضم القضايا محل القراءة نماذج متعددة من الجرائم.
ففي قسم عتاقة تظهر قضايا تتعلق بالمخدرات والسلاح والاستيلاء وهتك العرض وبعض الجرائم المالية.
وفي قسم فيصل تظهر قضايا مخدرات وقتل وسرقة وخطف وهتك عرض.
أما الأربعين فتظهر فيه قضايا مخدرات واعتداءات وجرائم مالية وسلاح.
وفي الجناين تظهر قضايا قتل وسرقة مهمات ومنقولات إلى جانب قضايا المخدرات.
بينما تتضمن القضايا المرتبطة بـ قسم السويس وقائع تتعلق بالقتل والشروع في القتل والجرح والعاهات المستديمة والتزوير والمخدرات.
وهذا التنوع تحديدًا هو ما يستحق الدراسة، وليس مجرد تسجيله في محضر أو خبر.
■ هل نحن أمام تغير في السلوك أم مجرد تنوع في القضايا؟
هنا يجب التوقف بحذر.
لا يجوز أن نقول إن المجتمع السويسي أصبح أكثر إجرامًا لمجرد أن كشفًا قضائيًا تضمن أنواعًا متعددة من الجرائم.
لكن في الوقت نفسه، لا يصح تجاهل المؤشرات عندما تتكرر أمامنا. فالقضية ليست في عدد القضايا فقط، وإنما في طبيعة الجرائم، وأعمار المتهمين، وبيئاتهم الاجتماعية، ومستوياتهم التعليمية، ودوافع ارتكاب الجرائم، وهل هناك عوامل مشتركة تتكرر في أكثر من واقعة.
وهذه معلومات تحتاج إلى دراسة علمية، وليس إلى انطباعات شخصية.
■ الأسرة.. المدرسة.. الشارع..
أين تبدأ المشكلة؟
هناك جرائم قد تبدأ من خلاف بسيط داخل الأسرة، ثم تتطور إلى مشاجرة، ثم إصابة، وربما تنتهي بجريمة قتل.
وهناك شاب قد يبدأ طريقه بالتسرب من التعليم، ثم الانخراط في بيئة غير سوية، ثم التعاطي، ثم البحث عن المال، وقد ينتهي به الأمر إلى الاتجار أو السرقة أو غيرها من الجرائم.
وهناك آخر قد يعيش في بيئة أسرية مستقرة ماديًا، لكنه يعاني ضعفًا في التربية أو غياب الرقابة أو التأثر بسلوكيات محيطة به.
لذلك لا يمكن اختزال الظاهرة في الفقر أو البطالة أو المخدرات وحدها.
الجريمة ظاهرة مركبة، وأسبابها في كثير من الأحيان مركبة أيضًا.
■ أين دور الجامعات
والكليات المتخصصة؟
ربما آن الأوان لأن تتحول القضية من مجرد حديث عابر إلى ملف بحثي حقيقي.
فأين الدراسات الاجتماعية والنفسية التي ترصد أسباب انتشار بعض أنماط الجريمة؟
وأين الدراسات التي يمكن أن تقدمها أقسام علم الاجتماع وعلم النفس والخدمة الاجتماعية والقانون؟
وهل تستطيع الجامعات والمؤسسات التعليمية إعداد دراسات دورية عن التحولات السلوكية لدى الشباب؟
وهل يمكن إنشاء شراكات بين المحافظة والجامعات والجهات المعنية لإعداد خريطة اجتماعية للظاهرة الإجرامية؟
هذه ليست مهمة الشرطة وحدها، وإنما مجال واسع للبحث العلمي والمجتمعي.
■ وماذا عن المجتمع المدني والأحزاب والشخصيات العامة؟
المجتمع المدني لا ينبغي أن يظهر فقط في المناسبات.
الجمعيات الأهلية، ومراكز الشباب، والأحزاب، والشخصيات العامة، والقيادات الطبيعية في المناطق والأحياء، جميعها يمكن أن يكون لها دور في التوعية والتدخل المبكر.
ليس المطلوب أن يتحول أي شخص إلى رجل أمن أو جهة تحقيق، وإنما المطلوب أن نمتلك ثقافة مجتمعية تكتشف الخطر قبل أن يتحول إلى جريمة.
فإذا لاحظنا شابًا ينحرف، أو طفلًا يتسرب من التعليم، أو أسرة تعاني تفككًا، أو شخصًا يقترب من عالم المخدرات والجريمة، فهل ننتظر حتى يصبح الأمر قضية أمام النيابة والمحكمة؟
أم نتدخل مبكرًا بالنصيحة والتوجيه والرعاية؟
■ الأمن وحده لا يكفي..
والوقاية هي المعركة الأكبر.
لا خلاف على أن الأجهزة الأمنية تقوم بدورها في ضبط مرتكبي الجرائم، وأن القضاء يقوم بدوره في الفصل في القضايا وفق القانون.
لكن المجتمع يحتاج أيضًا إلى مرحلة الوقاية.
فالقبض على مرتكب الجريمة يعالج واقعة وقعت بالفعل، أما منع شاب من الدخول إلى عالم الجريمة فيعني أننا منعنا جريمة مستقبلية ربما لم تقع بعد.
وهنا تكمن أهمية الأسرة والتعليم والشباب والرياضة والثقافة والتضامن الاجتماعي والمجتمع المدني والإعلام.
■ نحتاج إلى مشروع مجتمعي للوقاية من الجريمة!!
لماذا لا تكون هناك مبادرة مجتمعية في السويس تجمع المؤسسات المعنية حول هدف واحد؟
مشروع يقوم على ..
دراسة أسباب الجرائم الأكثر تكرارًا.
رصد الفئات العمرية الأكثر عرضة للانحراف.
دعم الأسر التي تواجه مشكلات اجتماعية.
مواجهة التسرب من التعليم.
توسيع الأنشطة الرياضية والثقافية للشباب.
نشر التوعية بمخاطر المخدرات والمال غير المشروع.
توفير برامج للإرشاد النفسي والاجتماعي.
اكتشاف المشكلات السلوكية مبكرًا.
تشجيع الشباب على العمل والتدريب والإنتاج.
إشراك المجتمع المدني في برامج الوقاية والتوعية.
هذه ليست حلولًا سحرية، لكنها خطوات يمكن أن تبدأ منها مواجهة أكثر عمقًا.
■ رسالة إلى قيادات السويس
هذه دعوة مفتوحة وليست اتهامًا لأحد.
دعوة إلى كل مسؤول وكل مؤسسة وكل شخصية عامة لديها القدرة على المشاركة ..
تعالوا نبحث عن أسباب الجريمة قبل أن نبحث فقط عن مرتكبها.
تعالوا ندرس لماذا ينحرف بعض الشباب، ولماذا تتفكك بعض الأسر، ولماذا تتحول بعض الخلافات إلى جرائم خطيرة، ولماذا يختار البعض المال غير المشروع رغم خطورته.
فكل شاب ننجح في إبعاده عن طريق الجريمة هو أسرة نحميها، ومستقبل ننقذه، ومشكلة جنائية لم تقع.
■ رسالة إلى مجتمع السويس
الشارع ليس مسؤولية الشرطة وحدها.
والمدرسة ليست مسؤولة وحدها.
والأسرة ليست مسؤولة وحدها.
والجمعية أو الحزب أو النادي أو الجامعة ليست مسؤولة وحدها.
الجميع مسؤول.
المطلوب أن تتكاتف كل هذه الأطراف لبناء مجتمع أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على احتواء أبنائه، وأكثر سرعة في اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى كوارث.
■ الجريمة لا تفيد ؟!
قد يعتقد البعض أن المخدرات طريق إلى المال، أو أن القوة طريق إلى فرض السيطرة، أو أن الانتقام يعيد الحقوق، أو أن السرقة يمكن أن تحقق الثراء.
لكن النهاية في كثير من الحالات تكون فقدان الحرية، وانهيار الأسرة، وضياع المستقبل، وربما فقدان الحياة نفسها.
لا توجد جريمة تصنع مستقبلًا آمنًا.
■ وختاماً ..
إن قراءة رول الجنايات المستأنفة لا ينبغي أن تنتهي عند أسماء القضايا وأرقامها وأماكن وقوعها.
الأهم أن تفتح هذه القراءة بابًا للنقاش ..
هل تتغير خريطة الجريمة في السويس؟ وما أسباب ذلك؟ وهل لدينا منظومة كافية للوقاية قبل وقوع الجريمة؟
هذه أسئلة تستحق أن تبحثها المؤسسات المتخصصة، وأن تناقشها الجامعات، وأن يهتم بها المجتمع المدني، وأن تضعها الجهات المعنية ضمن أولوياتها.
فالسويس تستحق أن نتحرك جميعًا من أجلها.
الدولة تضبط الجريمة.. والقضاء يحاسب مرتكبها.. لكن المجتمع كله يستطيع أن يمنع الجريمة قبل أن تبدأ.
وهنا يجب أن تكون البداية.







