سماسرة الحرب في مصر.. من فيصل إلى مدينة نصر.. من يطرد المصري ليرفع الإيجار 300% على السوداني؟
بقلم: أشرف عبده
في يناير 2023 كانت شقة غرفتين وصالة في فيصل بـ 2500 جنيه، وفي مدينة نصر بـ 4000 جنيه. في سبتمبر 2025 نفس الشقة في فيصل بـ 9000 جنيه، وفي مدينة نصر بـ 15 ألف جنيه، وصاحبها يطلب 6 شهور مقدم ويفضل 3 أسر سودانية تتقاسم الشقة على أسرة مصرية واحدة. النتيجة واحدة في فيصل والهرم وعين شمس ومدينة نصر وأكتوبر وأسوان: المصري يُطرد، والسوداني يُستغل، والسمسار وصاحب العقار هما الرابح الوحيد.
هذه ليست أزمة لاجئين، هذه أزمة سوق عقار بلا ضمير.
الخريطة الكاملة للسودانيين في مصر – ليست فيصل فقط:
1- العدد الحقيقي: إجمالي السودانيين في مصر يقدر بنحو 4 ملايين سوداني منذ بداية الحرب في أبريل 2023، بينهم أكثر من مليون ونصف مسجل لدى المفوضية، والباقي دخل بتأشيرة أو إقامة عادية أو عبر الحدود. هذا العدد موزع وليس في شارع واحد.
2- فيصل والهرم والطالبية – الجيزة (45% من السودانيين): هنا الكثافة الأكبر للطبقة المتوسطة والبسيطة والعامل اليومي. السبب: الإيجار كان الأرخص والمواصلات العامة. هنا ظهرت أكثر من 200 مدرسة سودانية مجتمعية في شقق سكنية، منها مدارس معتمدة قليلة جداً مثل مدرسة الصداقة السودانية المعتمدة من الملحقية الثقافية لسفارة السودان بالقاهرة، وغالبية غير مرخصة تعمل بلا ترخيص وتخضع لحملات إغلاق وتوفيق أوضاع مستمرة من الأجهزة التنفيذية حفاظاً على سلامة الطلاب.
3- مدينة نصر والحي العاشر وزهراء مدينة نصر – شرق القاهرة (25%): هنا السودانيون الأكثر استقراراً، رجال أعمال وطلاب وأطباء. الإيجار ارتفع من 4000 إلى 15 ألف. هنا توجد معظم المدارس المعتمدة الرسمية التي لها مقر مطابق للمواصفات وملفات إدارية كاملة وموافقة وزارتي التعليم والخارجية. وهنا أيضاً بدأ طرد المصريين بشكل أكبر لأن المالك يريد إيجاراً بالدولار أو يريد سودانياً يدفع مقدم سنة.
4- عين شمس والمطرية وعزبة النخل والمرج (15%): هنا العمالة اليومية الأحدث وصولاً، إيجارات كانت 1500 أصبحت 6000. لا توجد مدارس معتمدة تقريباً، كلها كيانات غير مرخصة في شقق غير مستوفية للاشتراطات.
5- 6 أكتوبر والشيخ زايد: شقق أكبر لعائلات كاملة دخلت بسياراتها، مشاريع مطاعم ومخابز سودانية تشغل مصريين.
6- أسوان – البوابة: ليست سكناً دائماً، لكن 90% من السودانيين دخلوا منها، وبيوت أسوان كانت أول فندق مجاني.
كيف يعمل استغلال السماسرة وأصحاب العقارات في كل المناطق؟
الحيلة الأولى – التقسيم: الشقة غرفتين لا تكفي أسرة مصرية واحدة بـ 9000 جنيه، لكن تكفي 3 أسر سودانية كل أسرة تدفع 3000. المالك يربح 9000 بدلاً من 3000، والسمسار يأخذ شهر من كل أسرة. المصري لا يستطيع تقسيم شقته مع أسرتين غريبتين لظروف اجتماعية، فيُطرد.
الحيلة الثانية – المقدم الخيالي: يطلب 6 شهور مقدم أو سنة مقدمة كاملة. المصري الموظف لا يملك 50 ألف مقدم، بينما 3 أسر سودانية تتشارك وتدفع المقدم من مدخرات الحرب.
الحيلة الثالثة – إغلاق المدارس لزيادة الربح: صاحب العمارة في فيصل أو عين شمس كان يؤجر شقته كمدرسة سودانية مجتمعية بـ 5000 جنيه. اكتشف أنه لو حولها لسكن لثلاث أسر سيأخذ 21 ألفاً. فيطرد المدرسة، والمدرسة المرخصة وغير المرخصة تُغلق، و120 ألف طفل في فيصل وحده يعودون للشارع. حملات الإغلاق التي تنفذها الأجهزة التنفيذية للكيانات المخالفة تتحول دون قصد لخدمة جشع المالك.
من الضحية؟ المصري قبل السوداني:
منى، مصرية من فيصل، موظفة، طُردت لأن مالكها وجد سودانياً يدفع أكثر. الآن تسكن عند أهلها في بولاق وتدفع مواصلات 1000 جنيه شهرياً.
أميرة، سودانية من الخرطوم، تسكن في نفس العمارة التي طُردت منها منى، تدفع 7000 لغرفة وصالة تشاركها مع أسرتين، وتعرف أنها تُستغل لكن لا تملك بديلاً.
الضحيتان مصري وسوداني، الرابح سمسار واحد.
5 مبادرات عملية لوقف سماسرة الحرب في كل مصر – وليس فيصل فقط:
1- السقف الاسترشادي الموحد من المحافظة:
ورقة رسمية تصدرها محافظة الجيزة والقاهرة كل 3 شهور، تحدد متوسط إيجار الشقة غرفتين في كل حي: فيصل العشرين 4000، مدينة نصر الحي العاشر 7000، عين شمس 3000. ليست تسعيرة جبرية بل ورقة استرشادية تُعلق في الحي وعلى صفحة المحافظة، حتى يعرف المصري والسوداني أن السمسار يكذب. هذه الورقة تطبق من فيصل إلى مدينة نصر.
2- عقد الإيجار الموحد لكل المصريين والسودانيين:
عقد صفحة واحدة تطبعه الأحياء مجاناً، يمنع رفع الإيجار أكثر من 15% سنوياً، ويمنع طرد المستأجر إلا بحكم محكمة، ويمنع طلب أكثر من 3 شهور مقدم. العقد يحمي المالك المصري أيضاً ويضمن له إيجاراً منتظماً.
3- بطاقة تعايش إيجاري – من أسوان إلى مدينة نصر:
تصريح سكن مؤقت بـ 200 جنيه من الحي للأسرة السودانية، يسجل عنوانها، ويعطيها حق الشكوى ضد السمسار. البطاقة تحول السوداني من ضيف غير مرئي إلى جار مسجل يحميه القانون ويحمي المصري من المزايدة.
4- مبادرة “توفيق أوضاع لا إغلاق ولا طرد”:
نطالب الأجهزة التنفيذية بتحويل حملات إغلاق المدارس المخالفة وتوفيق أوضاع الكيانات غير المرخصة إلى مهلة 90 يوماً مع توفير مقرات بديلة حكومية بعد الظهر في مراكز الشباب، بدلاً من إغلاق فوري يطرد 300 طفل للشارع ويحول الشقة لمخزن استغلال جديد.
5- سمسار السلام من فيصل إلى مدينة نصر:
تدريب 500 سمسار من أبناء فيصل ومدينة نصر وعين شمس على مفهوم السمسار العادل، يمنح شهادة “سمسار سلام” من الحي ويلتزم بالسقف الاسترشادي، وتنشر أسماؤهم. السمسار الجشع يُقاطع مجتمعياً.
مصر استضافت 4 ملايين سوداني بلا مخيم واحد، وهذا معجزة لا يوجد مثلها في الأردن ولبنان وتركيا حيث المخيمات بأسوار وكل فرد يكلف 1000 دولار شهرياً. في مصر التكلفة أقل من 100 دولار لأن المصري والسوداني سكنا في عمارة واحدة. لكن إذا تركنا سماسرة الحرب يرفعون الإيجار 300% من فيصل إلى مدينة نصر، سيحولون هذه المعجزة إلى فتنة، وسيطردون المصري والسوداني معاً، وسيغلقون مدارس الشقق المرخصة مثل الصداقة وغير المرخصة التي تسعى للترخيص.
السلام ليس أن نمنع السوداني من السكن في مصر، السلام أن نمنع السمسار من طرد المصري والسوداني معاً من فيصل إلى مدينة نصر.







