مصر فى قلب الصراع الاقتصادى العالمى بين أمريكا والصين
بقلم: أيمن بحر
لم تعد مصر مجرد دولة تمر بها التجارة العالمية عبر قناة السويس بل أصبحت واحدة من أهم نقاط التنافس الاقتصادى والاستراتيجى بين القوى الكبرى فى العالم
فالتحولات التى يشهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة تكشف أن موقع مصر الجغرافي وبنيتها التحتية وشبكة الموانئ والمناطق الصناعية المرتبطة بقناة السويس جعلتها هدفا رئيسيا للاستثمارات الدولية وبصفة خاصة الاستثمارات الصينية والأوروبية والأمريكية
وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها أحد أهم مفاتيح هذا التحول حيث تسعى الشركات العالمية إلى الاستفادة من الموقع المصري القريب من الأسواق الأوروبية والأفريقية والآسيوية إلى جانب سهولة الوصول إلى خطوط الملاحة الدولية
الصين كانت من أبرز الدول التي تحركت مبكرا للاستفادة من هذه المزايا من خلال المنطقة الصناعية الصينية في العين السخنة والتي أصبحت منصة مهمة للشركات الصينية للإنتاج والتصدير إلى الأسواق الإقليمية والعالمية
وفي المقابل لم تكن الاستثمارات الأوروبية بعيدة عن المشهد فقد دخلت شركات ألمانية وإيطالية وغيرها إلى قطاعات صناعية مصرية مهمة بحثا عن أسواق جديدة وتكاليف إنتاج أكثر تنافسية ومصادر للمواد الخام وموقع استراتيجي يسمح بالوصول إلى أسواق متعددة
وهنا تظهر أهمية مصر في معادلة الاقتصاد العالمي
فالشركات لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقا محليا فقط بل باعتبارها نقطة انطلاق إلى أسواق واسعة تمتد من أفريقيا إلى أوروبا ومن الخليج إلى البحر المتوسط
ومع اضطراب طرق التجارة العالمية وارتفاع المخاطر المرتبطة ببعض الممرات البحرية أصبحت أهمية قناة السويس أكبر بالنسبة للشركات التي تبحث عن مسارات مستقرة وقريبة من الأسواق
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من التنافس الدولي حول التكنولوجيا والاستثمار ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي في مصر
فالمعركة لم تعد فقط حول إقامة مصنع أو إنشاء مشروع تجاري وإنما أصبحت مرتبطة بمن يمتلك التكنولوجيا ومن يسيطر على سلاسل الإمداد ومن يستطيع الوصول إلى الأسواق العالمية بأقل تكلفة وأسرع وقت
والولايات المتحدة والصين تدركان جيدا أهمية مصر في هذه المعادلة
الصين تنظر إلى مصر باعتبارها بوابة استراتيجية للأسواق الأوروبية والأفريقية وموقعا مهما ضمن طرق التجارة العالمية بينما ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أن الحفاظ على نفوذهم الاقتصادي والتكنولوجي في مصر جزء من المنافسة الأوسع مع بكين
لكن مصر في المقابل تمتلك فرصة تاريخية لكي تحول هذا التنافس الدولي إلى مكاسب حقيقية للاقتصاد المصري
المطلوب ليس أن تختار مصر طرفا ضد طرف وإنما أن تستفيد من الجميع وفق قاعدة واضحة وهي المصلحة المصرية أولا
فالاستثمارات الصينية يمكن أن توفر التكنولوجيا والصناعة والأسواق بينما يمكن للاستثمارات الأوروبية أن تدعم قطاعات صناعية وخدمية متقدمة كما يمكن للتعاون الأمريكي أن يفتح مجالات مهمة في التكنولوجيا والطاقة والتصنيع المتقدم
والتحدي الحقيقي أمام مصر هو تحويل هذه الاستثمارات من مجرد أرقام إلى قيمة مضافة حقيقية من خلال زيادة نسبة المكون المحلي ورفع الصادرات وتوطين التكنولوجيا وتدريب العمالة المصرية وزيادة قدرة الشركات المصرية على دخول الأسواق العالمية
كما أن نمو الصادرات المصرية إلى الأسواق الكبرى يجب أن يصبح الهدف الأساسي خلال المرحلة المقبلة
فليس المهم فقط أن تدخل الشركات الأجنبية إلى مصر ولكن الأهم أن تصبح مصر نفسها دولة منتجة ومصدرة وقادرة على المنافسة في الأسواق العالمية
وهنا تظهر تجربة الصين باعتبارها نموذجا يستحق الدراسة
الصين لم تتحول إلى قوة اقتصادية كبرى بين يوم وليلة وإنما بنت قدراتها الصناعية والتكنولوجية تدريجيا واستفادت من الاستثمارات الأجنبية ثم عملت على تطوير شركاتها المحلية وزيادة صادراتها حتى أصبحت واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم
ومصر تمتلك مقومات مهمة تساعدها على تحقيق تحول مشابه إذا تم استغلال موقعها الجغرافي وقناة السويس والموانئ والمناطق الصناعية والطاقة والعمالة والسوق المحلية في إطار استراتيجية متكاملة
المشهد العالمي يتغير بسرعة
الحروب واضطرابات الملاحة والعقوبات الاقتصادية والصراع على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد كلها عوامل جعلت الدول تبحث عن مواقع أكثر أمنا واستقرارا وقربا من الأسواق
ومصر تقع في قلب هذه الخريطة
ولهذا فإن زيادة الاهتمام الدولي بالاستثمار في مصر ليست صدفة وإنما نتيجة طبيعية لموقعها الجغرافي ودورها الإقليمي وقدرتها على الربط بين القارات والأسواق
والرسالة الأهم هنا أن قوة مصر الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات التي تدخل إليها وإنما بقدرتها على تحويل هذه الاستثمارات إلى مصانع وإنتاج وصادرات وفرص عمل وتكنولوجيا وطنية
العالم يتغير وموازين القوى الاقتصادية تتغير معه
وفي هذا العالم الجديد تستطيع مصر أن تكون مجرد ممر للتجارة أو أن تتحول إلى مركز صناعي وتجاري وتكنولوجي عالمي
والاختيار في النهاية يعتمد على قدرتنا على استغلال الفرصة
مصر لا تحتاج إلى الدخول في حرب مع أمريكا أو الصين
مصر تحتاج إلى أن تجعل أمريكا والصين وأوروبا وغيرها تتنافس على الاستثمار فيها بينما تكون الأولوية دائما للمصلحة المصرية
فمصر التي تمتلك قناة السويس والموقع الاستراتيجي والأسواق الواسعة والبنية الأساسية تستطيع أن تجعل موقعها الجغرافي قوة اقتصادية حقيقية
والمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة الإنتاج والتصدير وتوطين التكنولوجيا
لأن العالم لا يحترم فقط من يملك الموقع الاستراتيجي
بل يحترم أكثر من يعرف كيف يحول هذا الموقع إلى قوة اقتصادية مستقلة







